عودة للرئيسية

كيف نعبد خروفًا؟! اعتراض على وصف الكتاب المقدس للمسيح بالخروف.

يطرح البعض تساؤلاً حول كيفية وصف الكتاب المقدس لله (في شخص المسيح) بأنه "خروف"، خاصة في سفر الرؤيا 17: 14 الذي يقول: **"هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك، والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون"**. هذا الاعتراض ينبع من فهم حرفي للكلمة دون إدراك معناها الرمزي واللاهوتي العميق في المسيحية.

في المسيحية، لقب "الخروف" أو "حمل الله" ليس وصفًا حرفيًا للمسيح كحيوان، بل هو لقب رمزي يحمل دلالات لاهوتية وفدائية عظيمة، مستمدًا جذوره من ذبيحة الفصح في العهد القديم ونبوات الأنبياء. لنرى أوجه الشبه بين السيد المسيح وخروف الفصح في العهد القديم:

1. الخروف كرمز للتضحية والبراءة:

  • **خروف الفصح الذكر بلا عيب:** كان خروف الفصح "شاةً صحيحةً ذكرًا ابن سنة" (خروج 12: 5). هذا يشير إلى السيد المسيح الذي قدم نفسه في عنفوان شبابه، كاملاً بلا خطيئة أو عيب.
  • **وداعة الحمل:** وصف إشعياء النبي ربنا يسوع بأنه حمل وديع يُساق للذبح: **"ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ"** (إشعياء 53: 7). وهذا ما رآه يوحنا المعمدان في المسيح عندما قال: **"هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ"** (يوحنا 1: 29).
  • **ذبيحة الخطية:** يمكن أن يكون الخروف أيضًا رمزًا للماعز الذي كان يقدم ذبيحة خطية حسب الناموس (عدد 7: 16)، مما يشير إلى المسيح كذبيحة أبدية لخطايانا.

2. فترة الحفظ والفحص:

  • كان خروف الفصح يظل "تحت الحفظ" من اليوم العاشر إلى اليوم الرابع عشر من الشهر (خروج 12: 6)؛ لربما ظهرت عليه أعراض المرض فيُرفض ولا يصلح أن يكون ذبيحة.
  • ربنا يسوع دخل أورشليم يوم أحد الشعانين (العاشر من الشهر اليهودي)، وظل تحت الفحص والمحاكمة أمام الكتبة والفريسيين، يحاورونه ويجادلونه ويفحصونه ويمحصونه ويحاولون أن يصطادوه بكلمة. ولكنه ثبت أنه بلا عيب ولا مرض.
  • في مساء يوم الخميس (اليوم الرابع عشر من الشهر) قدم جسده ودمه لتلاميذه في سر الإفخارستيا، وتم القبض عليه وأسلم ليصلب. والحكمة من إحضار الحمل في اليوم العاشر إشارة إلى أن ربنا يسوع جاء ليُكمِّل الناموس (الوصايا العشر) ويحقق غايته.

3. حكم كل جمهور إسرائيل:

  • خروف الفصح كان يُذبح "كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية" (خروج 12: 6).
  • ربنا يسوع حكم عليه "كل جمهور جماعة إسرائيل" صارخين لدى بيلاطس: "اصلبه اصلبه".

4. الدم الفادي والحياة الأبدية:

  • دم خروف الفصح فدى أبكار بني إسرائيل من الموت الجسدي: **"ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر"** (خروج 12: 13).
  • ودم الصليب الذي أراقه المسيح يفدي المؤمنين به من الموت الأبدي وينقلهم للحياة الأبدية. فالملاك المهلك، رغم معرفته العظيمة، احتاج إلى علامة الدم كرمز لفداء دم ربنا يسوع على الصليب.

5. طريقة الأكل والآلام:

  • كان خروف الفصح يؤكل "مشويًا بالنار مع فطير... على أعشاب مرة" (خروج 12: 8). ولا يؤكل نيئًا أو مطبوخًا بالماء. هذا يشير إلى الآلام الرهيبة التي تحملها السيد المسيح في رحلة الصليب.
  • الأعشاب المرة إشارة إلى الآلام النفسية التي جاز فيها ربنا يسوع حتى أنه قال: **"نفسي حزينة جداً حتى الموت"** (متى 26: 38).
  • وكان الخروف يشوى على سفودين (سيخين) متعامدين على هيئة صليب، والسيد المسيح سُمر على الصليب الذي هو عارضتين متعامدتين.
  • كان خروف الفصح يؤكل بالكامل ولا يبقى منه شيء إلى الصباح. ولذلك، تجد الكهنة في الكنيسة الأرثوذكسية يحرصون على تناول كل جزء من الجسد المقدس في سر الإفخارستيا.

6. أكل جسد الرب ودمه:

  • أكل خروف الفصح إشارة لجسد ربنا يسوع ودمه اللذان قدمهما للكنيسة في سر الإفخارستيا (القداس الإلهي). لم يكتف الرمز برش الدم فقط، بل اكتمل بالأكل من خروف الفصح، وذلك للاتحاد بالفادي:
  • **"فقال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه"** (يوحنا 6: 53-56).

  • أي أن خروف الفصح ليس تذكارًا لقصة تاريخية حدثت في الماضي البعيد، ولكنه يمثل حياة شركة مستمرة بين الله والكنيسة. حياة شركة تعيشها الكنيسة ليس مرة كل عام، ولكن في كل قداس إلهي تقيمه. وكما قال الأب ميليتو أسقف ساردس (القرن الثاني الميلادي): "يتحقق سر الفصح في جسد الرب. فقد اقتيد كحمل وذبح كشاة مخلصًا إيانا من عبودية العالم (مصر) ومحررنا من عبودية الشيطان... أنه ذاك الذي دبر خلاصنا وهو الحمل الصامت الذي أُخذ من القطيع وأُقتيد للذبح في المساء ودفن بالليل..."

7. الختان والمعمودية:

  • يقول الكتاب إن كل إنسان غير مختون لا يأكل من خروف الفصح (خروج 12: 48).
  • والختان في العهد القديم هو رمز للمعمودية في العهد الجديد. فالإنسان غير المعمد لا يشترك في وليمة القداس الإلهي.

8. عظام الحمل لا تُكسر:

  • كان أمر لبني إسرائيل عند أكل خروف الفصح بعدم كسر عظامه: **"وعظمًا لا تكسروا منه"** (خروج 12: 46).
  • وقد تنبأ داود النبي عن ربنا يسوع: **"يحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر"** (مزمور 34: 20).
  • وفعلًا هذا ما حدث لجسد السيد المسيح على الصليب، فعندما أراد الجنود أن يكسروا ساقيه حتى لا تبقى الأجساد إلى السبت، وجدوه قد مات: **"لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل: «عظم لا يكسر منه»"** (يوحنا 19: 36).

9. الفصح: العبور من الموت إلى الحياة:

  • "الفصح" معناه "العبور". وكما عبر خروف الفصح ببني إسرائيل من الموت إلى الحياة، هكذا عبر ربنا يسوع المصلوب بنا من الموت الأبدي إلى الحياة الأبدية.
  • وهذا ما أوضحه الإنجيل إذ قال إن يسوع المسيح هو فصحنا الجديد الذي ذُبح لأجلنا: **"لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا"** (1 كورنثوس 5: 7).

10. البداية الجديدة:

  • كانت ذبيحة الفصح تُعتبر أول الذبائح، وعيد الفصح يُعتبر أكبر الأعياد اليهودية. والشهر الذي تقدم فيه هذه الذبيحة (نيسان) هو أول الشهور. وكأن الوحي الإلهي يريد أن يعلمنا أن الحياة الجديدة تبدأ بعد الفداء بالدم الذي قدمه المسيح.

في الختام، عندما يصف الكتاب المقدس المسيح بـ "الخروف" أو "حمل الله"، فإنه لا يدعو لعبادة حيوان، بل يشير إلى شخص الرب يسوع المسيح الذي تجسد وقدم نفسه ذبيحة كفارية كاملة وبلا عيب، ليُتمم خلاص البشرية، ويرفع خطايا العالم. إنه لقب لاهوتي عميق يربط العهد القديم بالعهد الجديد، ويكشف عن خطة الله الفدائية العظيمة.