لماذا ينال الإنسان الخلاص بالمعمودية؟
في اللاهوت المسيحي التقليدي، لا سيما في الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية وبعض الكنائس البروتستانتية، تُعتبر المعمودية ضرورية للخلاص وليست مجرد رمز. إن القول بأن الخلاص بالإيمان وحده يلغي قيمة وفاعلية المعمودية هو فهم قاصر للدور الكتابي واللاهوتي لهذا السر المقدس. الكتاب المقدس يعلمنا أن المعمودية لازمة للخلاص للأسباب الآتية:
1. أمر السيد المسيح الصريح:
قال السيد المسيح بنفسه: **"من آمن واعتمد خلص"** (مرقس 16: 16). لم يقل "من آمن فقط"، بل جعل المعمودية شرطًا أساسيًا للخلاص. هذا لأن المعمودية ليست مجرد طقس خارجي، بل هي اتحاد بالمسيح، "موت معه وقيامة معه":
"أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة" (رومية 6: 3-4).
2. شهادة الرسل في العهد الجديد:
-
القديس بطرس الرسول:
تكلم القديس بطرس الرسول عن الخلاص في المعمودية بوضوح تام، مقارنًا إياها بحدث الطوفان الذي خلص فيه نوح وعائلته بالماء:
"إذ كان الفلك يبنى، الذي فيه خلص قليلون، أي ثماني أنفس بالماء. الذي مثاله يخلصنا نحن الآن، أي المعمودية" (1 بطرس 3: 20-21).
هذه الآية تربط بين الماء كوسيلة للخلاص في عهد نوح، وبين المعمودية كوسيلة للخلاص الروحي في العهد الجديد.
-
القديس بولس الرسول:
يقول القديس بولس الرسول بوضوح أننا بالمعمودية ننال الخلاص، واصفًا إياها بأنها "غسل الميلاد الثاني":
"لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تيطس 3: 5).
هذا يوضح أن المعمودية هي نقطة بدء الحياة الجديدة في المسيح، وهي عملية تجديد يقوم بها الروح القدس.
3. دعوة الرسل في يوم الخمسين:
في يوم الخمسين، لما آمن اليهود وتأثروا بكرازة بطرس الرسول، "نُخسوا في قلوبهم وقالوا للرسل: ماذا نفعل أيها الرجال الإخوة؟" (أعمال 2: 37). لم يقل لهم القديس بطرس الرسول: "ما دمتم قد آمنتم، افرحوا إذن وتهللوا لقد خلصتم بالإيمان وغُفرت لكم خطاياكم!". كلا، بل قال لهم بوضوح:
"توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لمغفرة الخطايا فتقبلوا الروح القدس" (أعمال 2: 38).
هذا يؤكد أن خطاياهم كانت باقية على الرغم من إيمانهم، وكانوا محتاجين أن يعتمدوا لمغفرة الخطايا. هذا ما يفسر أيضًا لماذا قام الرسل في ذلك اليوم بتعميد ثلاثة آلاف نفس (أعمال 2: 41)، وهي ليست عملية هينة، إذ لم يكن يكفِ إيمانهم وحده بدون المعمودية.
4. حالة شاول الطرسوسي (بولس الرسول):
ما حدث في يوم الخمسين تكرر مع شاول الطرسوسي (الذي صار بولس الرسول). لما آمن وتلقى دعوة المسيح المباشرة، سأل الرب: "ماذا تريد أن أفعل؟" (أعمال 9: 6). لم يقل له الرب: "ما دمت قد آمنت فقد خلصت!". بل أرسله إلى حنانيا الدمشقي الذي قال له:
"أيها الأخ شاول... لماذا تؤخر؟ قم اعتمد واغسل خطاياك داعيًا باسم الرب" (أعمال 22: 16).
هنا نرى أمرًا عجيبًا: إنسانًا تقابل مع المسيح شخصيًا، وتكلم معه، وسمع دعوته، وانتخبه الرب إناءً مختارًا، وشاهدًا لجميع الناس... ومع ذلك لم يكن قد اغتسل من خطاياه بعد! احتاج إلى المعمودية لغسل خطاياه. أين إذن الخلاص "من لحظة الإيمان فقط"؟ إنه لم يحدث مع بولس الرسول نفسه، الذي تحدث عن أهمية الإيمان في التبرير (رومية 5: 1).
5. إقرار الكنيسة الجامعة الرسولية:
إن لزوم المعمودية لمغفرة الخطايا هو جزء أصيل من قانون الإيمان الذي نردده في الكنيسة: **"نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا"**. وهذا هو الأمر الذي قررته الكنيسة الجامعة الرسولية في القرن الرابع الميلادي في المجمع المسكوني العظيم. فهل أخطأ كل آباء الكنيسة في فهم المعمودية عبر العصور؟ هذا السؤال موجه للذين يعتقدون بقدسية المجامع وقراراتها، ليدركوا أن الإيمان المسيحي القويم يربط الخلاص بالإيمان والمعمودية معًا كعملية واحدة من عمل الله في حياة المؤمن.