سفر راعوث

I. مقدمة عن سفر راعوث

يُعد سفر راعوث الكتاب الثامن في الكتاب المقدس العبري، ويأتي بعد سفر القضاة. يروي هذا السفر قصة فتاة موآبية اسمها راعوث، وتدور أحداثه في عصر القضاة، وهي فترة تميزت بالاضطرابات والحروب. ومع ذلك، يقدم سفر راعوث قصة مختلفة، لا تتضمن حروبًا أو عداءات، بل تركز على المحبة والبساطة والإيمان.

يُعتقد تقليديًا أن كاتب السفر هو صموئيل النبي، وقد سُجلت القصة لتكملة نسب داود الملك. وقعت أحداث القصة في زمن المجاعة التي حدثت في أيام جدعون، أو ربما في أيام عالي الكاهن.

II. الأحداث الرئيسية في سفر راعوث

يروي سفر راعوث قصة عائلة إسرائيلية تذهب إلى موآب بسبب المجاعة، ثم عودة إحدى أفرادها إلى بيت لحم، وكيف أدت الأحداث إلى تأسيس نسب ملكي.

أ. الذهاب إلى موآب وفقدان العائلة (راعوث 1)

  • المجاعة في بيت لحم والنزوح إلى موآب:

    في أيام القضاة، حدثت مجاعة في أرض يهوذا، وتحديدًا في بيت لحم (التي تعني "بيت الخبز"). بسبب هذه المجاعة، سافر رجل اسمه أليمالك، من بيت لحم يهوذا، مع زوجته نعمي وابنيهما محلون وكيليون، إلى بلاد موآب ليعيشوا هناك.

  • وفاة أليمالك وزوج ابنيه:

    بعد فترة قصيرة من إقامتهم في موآب، توفي أليمالك. تزوج ابناه محلون وكيليون من امرأتين موآبيتين: محلون تزوج راعوث، وكيليون تزوج عرفة.

  • وفاة الابنين وعودة نعمي:

    عاشت العائلة في موآب حوالي عشر سنوات، ثم توفي محلون وكيليون أيضًا، تاركين نعمي أرملة وبلا أبناء. سمعت نعمي أن الرب قد افتقد شعبه في يهوذا وأعطاهم خبزًا، فقررت العودة إلى بيت لحم.

  • عودة عرفة وتمسك راعوث:

    عندما بدأت نعمي رحلة العودة، رافقتها كنتاها عرفة وراعوث. نصحت نعمي كنتيها بالعودة إلى بيوت أمهاتهما في موآب، فقبلت عرفة وعادت. أما راعوث، فقد رفضت أن تترك حماتها، وقالت لها: "لا تلحي عليّ أن أتركك وأرجع عنك، لأنه حيثما ذهبتِ أذهب، وحيثما بتِّ أبيت، شعبك شعبي وإلهك إلهي. حيثما متِّ أموت وهناك أُدفن. هكذا يفعل الرب بي وهكذا يزيد إن لم يفرق الموت بيني وبينك". ولما رأت نعمي إصرار راعوث، كفت عن الكلام معها، وعادتا معًا إلى بيت لحم.

ب. راعوث في حقل بوعز (راعوث 2)

  • الوصول إلى بيت لحم والبحث عن طعام:

    وصلت نعمي وراعوث إلى بيت لحم في بداية حصاد الشعير. كانت نعمي قد فقدت كل شيء، وطلبت أن تُدعى "مرة" بدلاً من "نعمي" (التي تعني "متنعمة")، لأن الرب قد أمرّها جدًا.

    للحصول على طعام، طلبت راعوث من نعمي السماح لها بالذهاب إلى الحقول لتلتقط السنابل التي يتركها الحصادون، وذلك بحسب الشريعة التي تسمح للفقراء والغرباء بالالتقاط من الحقول.

  • التقاء راعوث ببوعز:

    ذهبت راعوث للالتقاط في حقل، وصادف أنها كانت في حقل يخص رجل غني اسمه بوعز، وهو قريب لأليمالك (زوج نعمي المتوفى).

    لاحظ بوعز راعوث، وسأل عن هويتها. عندما علم أنها راعوث الموآبية التي عادت مع نعمي، أظهر لها لطفًا كبيرًا. سمح لها بالالتقاط في حقله فقط، وأمر غلمانه ألا يمسوها، بل أن يتركوا لها بعض السنابل عمدًا. كما قدم لها الماء والطعام.

  • نصيحة نعمي لراعوث:

    عندما عادت راعوث إلى نعمي وأخبرتها عن لطف بوعز، أدركت نعمي أن بوعز هو "وليّ" لهما، أي قريب له الحق في فداء ممتلكات العائلة وإقامة نسل للميت. نصحت نعمي راعوث بالذهاب إلى بيدر بوعز ليلاً بعد أن ينتهي من تذرية الشعير، وأن تضطجع عند رجليه.

ج. بوعز كوليّ (راعوث 3-4)

  • راعوث تطلب الفداء:

    فعلت راعوث كما نصحتها نعمي. عندما استيقظ بوعز ليلاً، وجد راعوث عند رجليه. سأل عن هويتها، فأجابت: "أنا راعوث أمتك، فابسط طرف ثوبك على أمتك لأنك وليّ".

  • بوعز يتعهد بالفداء:

    أثنى بوعز على راعوث لأمانتها، ووعدها بأنه سيقوم بواجب الوليّ، لكنه أخبرها أن هناك قريبًا أقرب منه له الحق في الفداء أولاً. أعطاها بوعز ستة أكيال من الشعير، وأرسلها إلى نعمي.

  • الفداء عند باب المدينة:

    ذهب بوعز إلى باب المدينة، حيث يجتمع شيوخ المدينة لحل النزاعات. دعا القريب الأقرب، وعرض عليه شراء حقل أليمالك، مع شرط أن يتزوج راعوث الموآبية ليقيم نسلًا للميت. رفض القريب الأقرب أن يفدي، خوفًا من أن يفسد ميراثه.

  • زواج بوعز من راعوث:

    بعد رفض القريب الأقرب، قام بوعز أمام الشيوخ والشعب، وأعلن أنه سيشتري كل ما كان لأليمالك وكيليون ومحلون، وأنه سيتزوج راعوث الموآبية ليقيم اسم الميت على ميراثه. وافق الشعب والشيوخ، وباركوا بوعز وراعوث.

د. نسب داود الملك (راعوث 4)

  • ولادة عوبيد:

    أخذ بوعز راعوث زوجة له، وأعطاها الرب حبلًا فولدت ابنًا. سمته الجارات عوبيد.

  • سلسلة النسب:

    عوبيد هو أبو يسى، ويسى هو أبو داود الملك. وهكذا، أصبحت راعوث الموآبية جدة لداود الملك، وهي مذكورة في نسب المسيح في العهد الجديد.

III. الخاتمة

يسجل سفر راعوث قصة بسيطة لكنها عميقة عن الوفاء والمحبة والفداء، تدور أحداثها في فترة القضاة المضطربة. يُظهر السفر كيف أن الرب يعمل من خلال أفراد عاديين، ويحقق وعوده من خلال أحداث تبدو صغيرة، ليؤسس في النهاية نسبًا ملكيًا عظيمًا.