سفر نحميا
I. مقدمة عن سفر نحميا
يُعد سفر نحميا الكتاب الخامس عشر في الكتاب المقدس العبري، ويأتي بعد سفر عزرا. في الأصل العبري، كان سفرا أخبار الأيام الأول والثاني وسفر عزرا وسفر نحميا كتابًا واحدًا، لكنها قُسمت لاحقًا. يروي هذا السفر قصة عودة بني إسرائيل من السبي البابلي إلى أورشليم، وإعادة بناء أسوار المدينة، والإصلاحات الدينية والاجتماعية التي قادها نحميا.
يُسمى السفر باسم نحميا، الذي كان ساقيًا (مقدمًا للأشربة) في قصر ملك الفرس أرتحشستا. يغطي السفر فترة زمنية تمتد من حوالي 445 ق.م إلى 425 ق.م، ويُعتبر تكميلاً لسفر عزرا، حيث حدثت بعض أحداثهما في نفس الفترة.
II. الأحداث الرئيسية في سفر نحميا
يروي سفر نحميا قصة عودة نحميا إلى أورشليم، وإعادة بناء أسوار المدينة رغم المعارضة، ثم الإصلاحات الداخلية للشعب.
أ. نحميا يعود إلى أورشليم (نح 1-2)
- نحميا يسمع عن حال أورشليم:
كان نحميا في شوشن القصر، وسمع من حناني (أحد إخوته) أن أسوار أورشليم متهدمة وأبوابها محروقة بالنار، وأن بقية اليهود العائدين من السبي في ضيقة عظيمة وعار.
- صلاة نحميا وطلبه من الملك:
حزن نحميا وصام وصلى إلى الرب. في الشهر الأول من السنة العشرين للملك أرتحشستا، سأله الملك عن سبب حزنه. طلب نحميا من الملك السماح له بالذهاب إلى يهوذا لإعادة بناء مدينة آبائه (أورشليم)، وطلب رسائل إلى ولاة عبر النهر لتسهيل مروره، وإلى آساف حارس جنة الملك لتوفير الخشب لبناء الأبواب والسور. وافق الملك على طلبه.
- وصول نحميا إلى أورشليم وتفقده السور:
وصل نحميا إلى أورشليم، وبعد ثلاثة أيام، قام ليلاً مع عدد قليل من الرجال لتفقد أسوار المدينة المتهدمة وأبوابها المحروقة، دون أن يخبر أحدًا بخطته.
- نحميا يشجع الشعب على البناء:
بعد تفقده للسور، جمع نحميا الرؤساء والكهنة والشعب، وأخبرهم عن يد الرب الصالحة عليه، وعن كلام الملك الذي قاله له، وشجعهم على بناء السور. فاستجاب الشعب بحماس وقالوا: "لنقم ونبنِ".
ب. بناء السور وسط المعارضة والإصلاحات الداخلية (نح 3-7)
- تنظيم بناء السور (نح 3):
بدأ العمل في بناء السور، وقام كل فريق أو عائلة ببناء جزء محدد من السور، بما في ذلك الكهنة واللاويون.
- المعارضة الخارجية (نح 4):
عندما سمع سنبلط الحوروني وطوبيا العبد العموني وجشم العربي أن اليهود يبنون السور، سخروا منهم وحاولوا إحباطهم. ثم غضبوا جدًا وتآمروا لمحاربة أورشليم وإحداث اضطراب. لكن نحميا صلى إلى الرب، وأقام حراسًا على السور، وقام بتسليح العمال، فكانوا يعملون بيد ويحملون السلاح باليد الأخرى.
- المشاكل الداخلية (نح 5):
حدث صراخ عظيم من الشعب ضد إخوتهم اليهود بسبب مشاكل اقتصادية. كان بعض الأغنياء يستغلون الفقراء، ويقرضونهم بربا، ويستولون على حقولهم وبيوتهم، بل ويستعبدون أبناءهم وبناتهم بسبب الديون. غضب نحميا جدًا، وبخ الرؤساء والأغنياء، وأمرهم برد ما أخذوه من ربا، وإعادة الحقول والبيوت. كما أظهر نحميا نفسه مثالاً، حيث لم يأخذ خبز الوالي لمدة اثني عشر عامًا، وعمل مع الشعب في بناء السور.
- استمرار المعارضة والمؤامرات (نح 6):
حاول الأعداء (سنبلط وطوبيا وجشم) خداع نحميا عدة مرات ليقابلوه في سهل أونو، لكن نحميا رفض، قائلاً: "أنا عامل عملاً عظيمًا فلا أقدر أن أنزل". ثم حاولوا تخويفه بنشر إشاعات كاذبة، وبمحاولة نبي كاذب (شمعيا) أن يجعله يختبئ في الهيكل. لكن نحميا لم يخف، واستمر في العمل.
- الانتهاء من بناء السور (نح 6):
تم الانتهاء من بناء سور أورشليم في اثنين وخمسين يومًا فقط، مما أدهش الأعداء وأدركوا أن هذا العمل تم بمعونة الرب.
- تنظيم المدينة وتسجيل الأنساب (نح 7):
بعد بناء السور، اهتم نحميا بتنظيم حراسة المدينة، وعين حناني أخاه وحننيا رئيس القصر مسؤولين عن أورشليم. كما قرر نحميا عمل إحصاء للشعب وتسجيل أنساب العائلات التي عادت من السبي، ليعرف توزيعهم واحتياجاتهم.
ج. النهضة الروحية وتجديد العهد (نح 8-12)
- قراءة الشريعة (نح 8):
اجتمع كل الشعب كرجل واحد في ساحة باب الماء، وطلبوا من عزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة موسى. قرأ عزرا الشريعة على الشعب من الصباح حتى منتصف النهار، وكان الكهنة واللاويون يفهمون الشعب الشريعة. تأثر الشعب جدًا وبكوا عندما سمعوا كلمات الشريعة، لكن نحميا وعزرا واللاويين طلبوا منهم ألا يبكوا، بل يفرحوا لأن اليوم مقدس للرب.
- الاحتفال بعيد المظال (نح 8):
عندما قرأوا في سفر الشريعة، وجدوا أنه ينبغي عليهم الاحتفال بعيد المظال في الشهر السابع. فقام الشعب وعملوا مظال وسكنوا فيها لمدة سبعة أيام، وكان هناك فرح عظيم.
- صلاة الاعتراف وتجديد العهد (نح 9-10):
في اليوم الرابع والعشرين من الشهر، اجتمع الشعب وصاموا واعترفوا بخطاياهم وخطايا آبائهم. صلى اللاويون صلاة اعتراف طويلة، تذكروا فيها أعمال الرب العظيمة معهم، وكيف أنهم عصوا الرب مرارًا.
ثم قطع الشعب عهدًا مكتوبًا، وختمه الرؤساء واللاويون والكهنة. تضمن العهد التزام الشعب بالعيش كشعب مقدس للرب، وعدم التزاوج من الأمم الوثنية، وحفظ السبت، وتقديم العشور والبكور لدعم خدمة الهيكل واللاويين.
- سكنى أورشليم وتدشين السور (نح 11-12):
استقر جزء من الشعب في أورشليم، بينما سكن الباقون في المدن الأخرى. تم تدشين سور أورشليم بفرح عظيم، مع تسبيح وغناء.
د. إصلاحات نحميا الأخيرة (نح 13)
- عودة نحميا إلى أورشليم وإصلاحاته:
بعد فترة من عودته إلى بلاط الملك الفارسي، عاد نحميا إلى أورشليم. وجد أن الشعب قد انحرف مرة أخرى عن العهد.
- طوبيا في الهيكل: وجد أن ألياشيب الكاهن العظيم قد أعد لطوبيا العموني (أحد أعداء نحميا) مخدعًا في فناء الهيكل. فطرد نحميا جميع أمتعة طوبيا من المخدع وطهره.
- إهمال اللاويين والعشور: وجد أن حصص اللاويين والمغنين لم تُعطَ لهم، فتركوا خدمتهم في الهيكل وذهبوا إلى حقولهم. فوبخ نحميا الرؤساء، وجمع اللاويين وأعادهم إلى خدمتهم، وأمر الشعب بإحضار العشور.
- تدنيس السبت: رأى نحميا أن بعض التجار يبيعون ويشترون في يوم السبت، مما يدنس اليوم المقدس. فأمر بإغلاق أبواب أورشليم قبل السبت وعدم فتحها إلا بعد انتهائه، وهدد التجار الذين يبيتون خارج السور.
- الزواج المختلط: وجد نحميا أن بعض اليهود قد تزوجوا من نساء أجنبيات (من أشدود وعمون وموآب)، وأن أبناءهم لا يتكلمون لغة اليهود. فوبخهم وضرب بعضهم، وطرد واحدًا من أبناء رئيس الكهنة لأنه كان صهرًا لسنبلط.
III. الخاتمة
يسجل سفر نحميا قصة قيادة نحميا في إعادة بناء أسوار أورشليم، وتحديه للمعارضة الخارجية والداخلية. كما يصف جهوده في الإصلاح الديني والاجتماعي للشعب، وإعادة التزامهم بشريعة الرب، مما يبرز أهمية القيادة المخلصة في أوقات التحدي.