سفر أستير
I. مقدمة عن سفر أستير
يُعد سفر أستير الكتاب الخامس عشر في الكتاب المقدس العبري، ويأتي بعد سفر نحميا. يروي هذا السفر قصة فتاة يهودية أصبحت ملكة فارس، وكيف أنقذت شعبها من خطة إبادة. تدور أحداث السفر في الإمبراطورية الفارسية، وتحديدًا في شوشن القصر، عاصمة الملك أحشويروش (المعروف أيضًا باسم زركسيس)، الذي حكم من الهند إلى كوش (السودان) على 127 ولاية.
يُعتقد أن أحداث السفر وقعت بعد حوالي 30 عامًا من بداية عودة اليهود من السبي البابلي، في فترة كان فيها كثير من اليهود لم يعودوا إلى أورشليم، وكانت هناك جالية يهودية كبيرة في شوشن.
II. الأحداث الرئيسية في سفر أستير
يروي سفر أستير قصة صعود فتاة يهودية إلى العرش، ومؤامرة لإبادة شعبها، وكيف تم إحباط هذه المؤامرة.
أ. الملك أحشويروش والملكة وشتي (أستير 1)
- وليمة الملك أحشويروش:
في السنة الثالثة من حكمه، أقام الملك أحشويروش وليمة ضخمة استمرت 180 يومًا لجميع أمرائه وعبيده، تلتها وليمة أخرى لمدة سبعة أيام لجميع الموجودين في قصره.
- رفض الملكة وشتي وعزلها:
في اليوم السابع من الوليمة، أمر الملك أحشويروش الملكة وشتي أن تأتي وتظهر جمالها أمام الشعب والأمراء، لكنها رفضت. غضب الملك جدًا، واستشار حكماءه حول ما يجب فعله بالملكة وشتي. فنصحه مستشاروه بعزلها من منصبها كملكة، وإصدار مرسوم ملكي بذلك، لكي لا تقتدي بها نساء المملكة.
ب. أستير تصبح ملكة (أستير 2)
- البحث عن ملكة جديدة:
بعد عزل وشتي، أمر الملك أحشويروش بجمع جميع الفتيات الجميلات العذارى من جميع ولايات مملكته إلى شوشن القصر، ليتم اختيار واحدة منهن لتكون الملكة الجديدة.
- اختيار أستير:
كان هناك رجل يهودي اسمه مردخاي، من سبط بنيامين، يعيش في شوشن القصر. كان قد تبنى ابنة عمه اليتيمة، واسمها هدسة، التي أطلق عليها اسم أستير. كانت أستير جميلة جدًا. عندما أُحضرت أستير إلى قصر الملك، نالت إعجابه فورًا بجمالها وبساطتها. قرر الملك أن يجعلها ملكة على الفور، ووضع التاج الملكي على رأسها بدلاً من وشتي. أقام الملك وليمة عظيمة باسم وليمة أستير، وأعلن إعفاءات ضريبية للولايات تعبيرًا عن فرحته بملكتها. لم تكشف أستير عن جنسيتها اليهودية بناءً على نصيحة مردخاي.
- مردخاي يكشف مؤامرة:
في تلك الأيام، بينما كان مردخاي جالسًا في باب الملك، علم بمؤامرة من خصيين من حراس الملك (بجثان وتارش) لقتل الملك أحشويروش. أخبر مردخاي الملكة أستير، فأخبرت أستير الملك باسم مردخاي، وتم التحقيق في الأمر، ووُجد صحيحًا، فعُلق الرجلان على خشبة، وسُجل ذلك في سفر أخبار الأيام أمام الملك.
ج. مؤامرة هامان ضد اليهود (أستير 3)
- صعود هامان وغضبه على مردخاي:
بعد هذه الأحداث، عظم الملك أحشويروش هامان بن همداثا الأجاجي، ورقاه وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساء الذين معه. أمر الملك جميع عبيده الذين بباب الملك أن يجثوا ويسجدوا لهامان، لكن مردخاي رفض أن يجثو أو يسجد له.
- هامان يخطط لإبادة اليهود:
عندما علم هامان أن مردخاي يهودي، وأن مردخاي يرفض السجود له، غضب جدًا. لم يكتفِ هامان بالتفكير في معاقبة مردخاي وحده، بل خطط لإبادة جميع اليهود في كل مملكة أحشويروش. ألقى هامان "فورًا" (قرعة) لتحديد اليوم المناسب لتنفيذ خطته، فوقعت القرعة على اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر (شهر آذار).
- مرسوم الملك:
ذهب هامان إلى الملك أحشويروش، وأخبره أن هناك شعبًا متشتتًا ومتفرقًا بين جميع الشعوب في ولايات المملكة، ولهم سنن مختلفة عن باقي الشعوب، ولا يطيعون قوانين الملك. طلب هامان من الملك إصدار مرسوم بإبادة جميع اليهود، ووعد بدفع عشرة آلاف وزنة من الفضة لخزانة الملك. فنزع الملك خاتمه من يده وأعطاه لهامان، وسمح له بفعل ما يحسن في عينيه. أُرسلت الرسائل إلى جميع ولايات الملك بأمر بقتل وإبادة جميع اليهود، صغارًا وكبارًا، نساءً وأطفالاً، في يوم واحد (الثالث عشر من شهر آذار)، ونهب أملاكهم.
د. مردخاي وأستير والتدخل (أستير 4-7)
- حزن مردخاي وطلب المساعدة من أستير (أستير 4):
عندما علم مردخاي بما حدث، مزق ثيابه ولبس مسوحًا ورمادًا، وخرج إلى وسط المدينة يصرخ بمرارة. وصلت الأخبار إلى الملكة أستير، فأرسلت ثيابًا لمردخاي، لكنه رفض. أرسلت أستير خصيًا (هتاخ) ليعلم ماذا حدث. أخبر مردخاي هتاخ بكل شيء، وأعطاه نسخة من مرسوم الإبادة، وطلب من أستير أن تذهب إلى الملك وتتشفع في شعبها.
ترددت أستير في البداية، لأن الدخول إلى الملك دون دعوة كان يعني الموت، ولم يكن الملك قد استدعاها منذ ثلاثين يومًا. لكن مردخاي أرسل إليها رسالة قوية، مذكّرًا إياها بأنها لن تنجو وحدها، وأنه ربما وُضعت في هذا المركز من أجل هذا الوقت. فقررت أستير أن تخاطر بحياتها، وطلبت من مردخاي وجميع اليهود في شوشن أن يصوموا معها ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقالت: "وإذا هلكتُ، هلكتُ".
- وليمتا أستير (أستير 5-7):
- الوليمة الأولى (أستير 5): بعد الصوم، لبست أستير الثياب الملكية ودخلت إلى دار الملك الداخلية. عندما رآها الملك، مد لها قضيب الذهب، مما يعني أنه قبلها. سألها الملك عن طلبها، ووعدها حتى بنصف المملكة. دعت أستير الملك وهامان إلى وليمة أعدتها لهما. في الوليمة، سألها الملك مرة أخرى عن طلبها، لكن أستير دعتهم إلى وليمة ثانية في اليوم التالي.
- ليلة الملك الأرق (أستير 6): في تلك الليلة، لم يستطع الملك النوم، فأمر بإحضار سفر أخبار الأيام وقراءته عليه. وجد الملك أن مردخاي قد أنقذ حياته من مؤامرة الخصيين، وأنه لم يُكافأ على ذلك.
- هامان يكرم مردخاي: في الصباح، سأل الملك هامان عن ماذا يجب أن يُفعل لرجل يريد الملك أن يكرمه. ظن هامان أن الملك يقصد نفسه، فنصح الملك بأن يلبس الرجل ثيابًا ملكية، ويركب حصان الملك، ويقوده أحد عظماء الأمراء في ساحة المدينة، وينادى أمامه: "هكذا يُفعل للرجل الذي يُسر الملك بإكرامه". فأمر الملك هامان أن يفعل كل ذلك لمردخاي اليهودي.
- الوليمة الثانية وسقوط هامان (أستير 7): ذهب الملك وهامان إلى وليمة أستير الثانية. سألها الملك مرة ثالثة عن طلبها. كشفت أستير عن هويتها اليهودية، وقالت: "إنني وشعبي قد بِعنا للهلاك والقتل والإبادة". وأشارت إلى هامان كـ "الخصم والعدو، هذا هامان الشرير". غضب الملك بشدة وترك الوليمة. سقط هامان على سرير أستير متوسلاً لها أن تنقذه. عندما عاد الملك ورآه بهذه الوضعية، ازداد غضبه، وأمر أحد الخصيان بتعليق هامان على المشنقة التي أعدها لمردخاي.
هـ. نجاة اليهود وعيد الفوريم (أستير 8-10)
- مرسوم جديد ومردخاي في السلطة (أستير 8):
في ذلك اليوم، أعطى الملك أحشويروش بيت هامان للملكة أستير، وجاء مردخاي إلى أمام الملك. نزع الملك خاتمه الذي كان قد أخذه من هامان، وأعطاه لمردخاي. طلبت أستير من الملك إصدار مرسوم جديد لإبطال خطة هامان. أصدر الملك مرسومًا جديدًا يسمح لليهود في كل ولاية بالاجتماع والدفاع عن حياتهم، وقتل وإبادة كل من يحاول مهاجمتهم، ونهب أملاكهم. أُرسلت الرسائل بسرعة إلى جميع الولايات.
- انتصار اليهود وتأسيس عيد الفوريم (أستير 9):
في اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر (آذار)، وهو اليوم الذي كان من المفترض أن يُباد فيه اليهود، اجتمع اليهود في مدنهم في جميع ولايات الملك للدفاع عن أنفسهم. ضرب اليهود جميع أعدائهم، وقتلوا خمس مئة رجل في شوشن القصر، وقتلوا أبناء هامان العشرة وعلقوا جثثهم على خشبة. لم يمدوا أيديهم إلى النهب. احتفل اليهود بيوم الفرح في جميع أنحاء المملكة، وقرروا أن يخصصوا هذا اليوم للاحتفال في كل عام. وهكذا أصبح هذا اليوم يعرف بـ "عيد الفوريم" (نسبة إلى القرعة التي ألقاها هامان)، حيث يجتمع اليهود في كل عام للاحتفال بنجاتهم.
- عظمة مردخاي (أستير 10):
بعد الانتصار الكبير لليهود، أدرك الملك أحشويروش أهمية الأحداث التي جرت. أصبح مردخاي شخصية بارزة في بلاط الملك، بفضل حكمته وشجاعته، ونال مرتبة عالية، وأصبح ثانيًا بعد الملك. كان يحظى بتقدير كبير من جميع اليهود، وكان يعمل من أجل خير شعبه.
III. الخاتمة
يسجل سفر أستير قصة نجاة الشعب اليهودي من مؤامرة إبادة في الإمبراطورية الفارسية، من خلال شجاعة الملكة أستير وحكمة مردخاي. يُظهر السفر كيف أن الأحداث التي تبدو عادية يمكن أن تُستخدم لتحقيق خطة الرب، وكيف أن الشعب اليهودي احتفل بنجاته من خلال تأسيس عيد الفوريم.