عودة للرئيسية

لماذا الله لم يشفق على الملائكة الساقطين؟ هل بولس مؤسس المسيحية؟ وكيف يدين القديسون العالم؟

الأسئلة المطروحة تتعلق بمفاهيم لاهوتية مهمة في المسيحية، وهي تتطلب فهمًا دقيقًا لسياق الكتاب المقدس. دعنا نتناول كل نقطة على حدة:

1. لماذا لم يشفق الله على الملائكة الذين أخطأوا؟

السؤال يشير إلى آيات مثل رسالة بطرس الثانية 2: 4 ورسالة يهوذا 1: 6، التي تتحدث عن ملائكة أخطأوا وحفظهم الله للدينونة. المفهوم المسيحي والكتابي واضح في هذا الشأن:

  • **ليسوا معصومين عن الخطأ:** المفهوم الكتابي للملائكة ليس أنهم "معصومون عن الخطأ والزلل" بشكل مطلق. بل إنهم يتمتعون بحرية الإرادة مثل البشر، ولكن طبيعتهم الروحية ووجودهم المباشر في حضرة الله جعل سقوطهم يحمل تبعات فورية وجذرية.
  • **الشيطان كنموذج للملاك الساقط:** الكتاب المقدس يعلمنا أن الشيطان (إبليس) كان ملاكًا عظيمًا "كيروبًا" سقط بسبب الكبرياء والتمرد على الله (إشعياء 14: 12-15، حزقيال 28: 12-19). هو لم يسجد لآدم لأنه تكبر ورفض أمر الله، وهذا مذكور أيضًا في القرآن الكريم الذي يشير إلى إبليس ضمن الملائكة الذين أمروا بالسجود ورفض. هذا لا يشكل تناقضًا، بل يؤكد أن الملائكة، على الرغم من طبيعتهم الروحية السامية، يمكن أن يسقطوا بإرادتهم الحرة.
  • **الملائكة الساقطون هم فئة إبليس وأعوانه:** عندما يتحدث بطرس ويهوذا عن الملائكة الذين أخطأوا ولم يشفق الله عليهم، فهما يقصدان هذه الفئة من الملائكة التي تبعت الشيطان في تمرده، "الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم" (يهوذا 1: 6). هؤلاء لم يرتكبوا خطأ عرضيًا، بل تمردًا واعيًا ومباشرًا ضد خالقهم، ولأن طبيعتهم مختلفة عن البشر، لم تُعطَ لهم فرصة للتوبة كما أُعطيت للبشر، بل حُفظوا للدينونة الأبدية.
  • **اختلاف طبيعة السقوط:** سقوط البشر (بسبب الخطيئة الأصلية لآدم وحواء) كان نتيجة لضعف وطبيعة يمكن الفداء منها، ولذا قدم الله خطة خلاص. أما سقوط الملائكة الساقطين فكان تمردًا مباشرًا من كائنات نورانية عارفة بالكامل، دون وجود أي عامل غواية خارجي، مما جعل عواقب سقوطهم لا رجعة فيها.

2. هل بولس مؤسس المسيحية؟

هذا ادعاء خاطئ تمامًا ولا يتفق مع الإيمان المسيحي:

  • **المسيح هو المؤسس الوحيد:** المسيحية مؤسسة تأسيساً كاملاً وحصرياً على شخص السيد المسيح نفسه. هو رأس الكنيسة وهو محور الإيمان المسيحي. "إننا نستطيع أن نستثني كتابات بولس من العهد الجديد ويأتينا الحق المطلق من خلال كتابات يوحنا ولوقا ومرقس ومتى وبطرس... لأن الجميع مسوقون من الروح القدس يشرحون لنا المسيحية المتمثلة في محبة الله التي افتقدت العالم في شخص المسيح. فهو منشئها وبدونه لا يوجد معنى للمسيحية."
  • **بولس رسول وكارز:** دور بولس الرسول كان نشر الإنجيل الذي تسلمه بالوحي من المسيح القائم، وتوضيح لاهوته وعقائد الخلاص. هو لم يؤسس المسيحية كدين جديد، بل كرز بالمسيح المؤسس الحقيقي. كتاباته (التي هي جزء من الوحي الإلهي) تشرح وتعمق فهمنا للمسيحية التي أسسها المسيح.

3. كيف سيدين القديسون العالم؟

الآية في كورنثوس الأولى 6: 2-3 "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟" تحتاج إلى فهم لمعنى "الدينونة" في هذا السياق:

  • **دينونة بمعنى الشهادة والتبكيت، وليس القضاء المطلق:** القضاء المطلق لله وحده. ولكن الدينونة هنا تُفهم بمعنى الشهادة والتبكيت، والمشاركة في السلطة القضائية الرمزية أو الشرفية.
  • **شهادة القديسين:** القديسون، الذين قبلوا المسيح ربًا ومخلصًا وعاشوا بحسب وصاياه في هذا العالم، سيكونون شهادة حية للعالم الذي رفض المسيح. حياتهم التي عاشوها في البر والتكريس ستكون بمثابة معيار تُدان على أساسه خطايا الآخرين ورفضهم للحق.
  • **مثال لعازر والغني:** في المثل الذي شرحه المسيح عن لعازر والغني (لوقا 16: 19-31)، كان وجود لعازر في حضن إبراهيم بمثابة دينونة غير مباشرة للغني الذي اعتمد على أمواله ولم يبال بالآخرين. عندما رآه الغني، دان نفسه لأنه أعتمد على ماله ولم يعتمد على بر الله المقدم له.
  • **المشاركة في مجد المسيح وسلطانه:** الآية تشير إلى أن القديسين سيكون لهم مكانة عظيمة في ملكوت الله، وسيشاركون المسيح في مجده وسلطانه بطريقة ما، بما في ذلك "دينونة" الملائكة الساقطين، أي المشاركة في إقرار عدل الله عليهم.

فمن يقبل المسيح سيدين من لم يقبل بشهادته هو وبنهايته السعيدة، لأن خلاصه وحياته الروحية سيكونان دليلًا على الحق والسبيل الذي كان متاحًا للجميع. هذا المفهوم يؤكد على قيمة الإيمان والطاعة في حياة المؤمن.