عودة للرئيسية

ما هو حكم السجود لإحدى رتب الكهنوت في المسيحية؟

في المسيحية، يجب التفريق بين نوعين من السجود: **سجود العبادة (Proskynesis)** وهو السجود المطلق الموجه لله وحده، و**سجود الاحترام أو التكريم (Proskynesis)** وهو تعبير عن الاحترام الشديد أو الخضوع لمن هم في مكانة مرموقة (ملوك، أنبياء، آباء روحيين). الكتاب المقدس يوضح هذا التمييز من خلال أمثلة عديدة.

أمثلة من الكتاب المقدس على سجود الاحترام:

المؤمنون الأوائل، بمن فيهم الأنبياء والقديسون، سجدوا لشخصيات بارزة دون أن يُعتبر ذلك عبادة أو خطيئة، بل كان تعبيراً عن الاحترام العميق:

1. سجود لناثان النبي لداود الملك:

"دخل إلى أمام الملك (داود). ويسجد للملك على وجهه إلى الأرض" (1مل 1: 23).

هنا نرى نبيًا يسجد أمام نبي آخر هو ملك ومسيح للرب. هذا السجود لم يكن عبادة، بل احترامًا لمكانة داود كنبي وملك.

2. سجود أرونة اليبوسي وأخيمعص لداود:

"فخرج أرونة، وسجد للملك على وجهه إلى الأرض" (2صم 24: 20).

وقيل أيضاً عن أخيمعص بن صادوق الكاهن أنه قال للملك داود: "سلام، وسجد للملك على وجهه إلى الأرض" (2صم 15: 27-28، السياق يشير إلى سجوده للملك).

3. دانيال النبي يقبل السجود من نبوخذ نصر الملك:

"حينئذ خر نبوخذ نصر على وجهه، وسجد لدانيال" (دا 2: 46).

لم يمتنع دانيال عن قبول هذا السجود، لأنه كان سجود احترام وتقدير لمكانته كنبى من الله، وليس عبادة له.

4. إيليا النبي يقبل السجود من رئيس الخمسين:

"فصعد رئيس الخمسين الثالث، وجاء وجثا على ركبتيه أمام إيليا. وتضرع إليه وقال له: يا رجل الله، لتكرم نفسي وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين في عينيك" (2مل 1: 13).

5. اليشع النبي يقبل السجود من المرأة الشونمية:

وذلك بعد إقامته ابنها من الموت:

"فأتت وسقطت على رجليه، وسجدت إلى الأرض. ثم حملت ابنها وخرجت" (2مل 4: 37).

6. سجود الملك سليمان لأمه بثشبع:

"دخلت بثشبع إلى الملك سليمان، لتكلمه عن أدونيا. فقام الملك للقائها، وسجد لها. وجلس على كرسيه، ووضع كرسيًا لأم الملك، فجلست عن يمينه" (1مل 2: 19).

هذا يوضح أن السجود يمكن أن يكون تعبيرًا عن الاحترام الأبوي أو الاجتماعي.

7. يوسف الصديق يقبل سجود إخوته:

"فأتى إخوة يوسف وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض" (تك 42: 6).

سجدوا له عدة مرات (تك 43: 26، تك 44: 14، تك 50: 18) ولم يوبخهم يوسف. كان هذا شيئًا طبيعيًا كعلامة احترام وخضوع لسلطته كحاكم للديار المصرية، ولم يكن عبادة.

سجود بأمر من الله:

بعض حالات السجود كانت بوحي إلهي وتدبير إلهي، مما يؤكد أنها ليست خطيئة إذا كان المعنى هو الاحترام:

  • **سجود إخوة يوسف له:** كان مؤيدًا برؤى إلهية حكاها يوسف لوالديه وإخوته، حيث رأى حزمهم وكواكبهم تسجد لحزمته وكوكبه (تك 37: 7-10).
  • **بركة يعقوب لأبنائه:** تضمنت نبوة أن تستعبد له شعوب وتسجد له قبائل (تك 27: 29).
  • **سجود في العهد الجديد بأمر إلهي:** في سفر الرؤيا، قال الرب لملاك كنيسة فيلادلفيا عن الذين ادعوا أنهم يهود كذبًا: "هأنذا أصيرهم يأتون، ويسجدون أمام رجليك، ويعرفون أني أنا أحببتك" (رؤ 3: 9). هذا السجود، لأنه بأمر إلهي، يؤكد أنه ليس خطية إذا كان المقصود به الاحترام وليس العبادة.

أنواع أخرى من السجود:

  • **السجود أمام الهياكل والمذابح والأماكن المقدسة:**

    يقول داود النبي: "أمام الملائكة أرتل لك، وأسجد قدام هيكلك المقدس" (مز 137). ويقول أيضاً: "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك، وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" (مز 5: 7).

    هذا السجود ليس عبادة للهيكل أو المذبح، بل هو تعبير عن الاحترام للمواضع المقدسة ولحضرة الله فيها، كما قال رئيس جند الرب ليشوع: "اخلع نعلك من رجليك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه هو مقدس" (يش 5: 15).

  • **سجود التوبة أو الاعتذار (المطانيات):**

    يمكن أن يسجد شخص لآخر اعتذارًا، أو يعبر بها عن توبته لله. هذا خارج نطاق السجود للكهنوت وقد يمارس للتعبير عن التواضع وطلب السماح.

سجود الكاهن للشعب:

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الأسقف أو البطريرك الذي يسجد له الناس، هو أيضًا يسجد لهم قبل بداية القداس قائلاً للشعب: "أخطأت سامحوني". هذا يوضح مبدأ التواضع المتبادل في الكنيسة.

الخلاصة هي أنه ينبغي أن نفهم السجود **بالروح لا بالحرف، لأن الحرف يقتل**. سجود العبادة هو لله وحده لا شريك له، أما سجود الاحترام والتكريم، فهو تعبير عن التوقير للأشخاص ذوي المكانة الروحية أو الاجتماعية أو الأبوية، وهو أمر مقبول في الكتاب المقدس والممارسة الكنسية.