لماذا خلق الله الحيوانات المفترسة والحشرات السامة؟
هذا السؤال يمس جوهر فهمنا للطبيعة البشرية وسقوطها وتأثيرها على الخليقة. الإجابة المسيحية التقليدية على هذا السؤال تعتمد على مفهوم أن العالم والطبيعة لم تُخلق في البداية كما نراها اليوم، بل تأثرت ودُنست بالخطية البشرية:
1. الحيوانات لم تُخلق مفترسة في البدء:
أول ملاحظة وأهمها هي أن ما نسميها الآن بالحيوانات المتوحشة والمفترسة لم تكن كذلك حين خلقها الله. كانت تعيش مع أبينا آدم في الجنة، ولم يكن يخافها، ولا كانت تؤذيه، بل كان يأنس لها، وهو الذي سمّاها بأسمائها (تكوين 2: 19).
المذهل أن هذه الحيوانات لم تكن تأكل اللحوم وقتذاك، بل كانت تتغذى على عشب الأرض، كما قال الرب بوضوح:
"ولكل حيوان الأرض، وطير السماء، وكل دابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعامًا. وكان كذلك" (تكوين 1: 30).
هذه الحيوانات التي نسميها الآن متوحشة ومفترسة، عاشت في الفلك مع أبينا نوح وأولاده وزوجاتهم، مستأنسة لا تفترس أحدًا، لا من بشر ولا من باقي الحيوانات، مما يؤكد طبيعتها الأصلية المسالمة.
2. تغير الطبيعة بعد سقوط الإنسان (الخطية):
تغير الأمر فيما بعد بسبب دخول الخطية إلى العالم وسقوط الإنسان. وكيف حدث ذلك؟
-
إباحة أكل اللحوم:
بعد رسو فلك نوح، سمح الله للإنسان بأكل اللحم، قائلاً له: "كل دابة حية تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع. غير أن لحمًا بحياته دمه لا تأكلوه" (تكوين 9: 3-4). وهكذا صار الدم يُسفك، وصار الإنسان يأكل بعض الحيوانات ويطارد البعض الآخر منها.
-
دخول الخوف والوحشية:
بعد الخطية، دخل الخوف إلى الإنسان (تكوين 3: 10، تكوين 4: 14). وبالخوف صار يهرب من بعض الحيوانات، فكانت تطارده وأحيانًا تفترسه. وهذا أدى إلى دبيب العداوة بين الإنسان والحيوان، وظهرت الوحشية والافتراس كرد فعل. كما قال الرب: "وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط. من يد كل حيوان أطلبه، ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان، من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بيد الإنسان يسفك دمه" (تكوين 9: 5-6).
-
تأثير الخطية على الطبيعة:
الوحشية زحفت إلى بعض البشر أيضًا، وليس فقط إلى الحيوان، فحدث أن قايين قام على أخيه هابيل وقتله (تكوين 4: 8). ولو كان الإنسان يأكل الدم كالوحوش لصار وحشًا مثلها، ولكن الله منعه من أكل الدم، واستمر هذا المنع في شريعة موسى بعقوبة شديدة (لاويين 17: 10)، واستمر منعه في العهد الجديد أيضًا (أعمال 15: 29). وكما توحشت الحيوانات وصارت تفترس الإنسان وتأكل، هكذا أصبحت تأكل بعضها بعضًا؛ القوي منها يفترس الضعيف ويأكله. وهكذا سميت "وحوشًا مفترسة"، ولكنها من البدء لم تكن كذلك.
-
تسميتها في التكوين:
أما تسميتها في الأصحاح الأول من سفر التكوين (تكوين 1: 24-25) كـ"بهائم" أو "دبابات" أو "وحوش أرض"، فكان باعتبار ما آل إليه أمرها حين كتابة هذا السفر أيام موسى النبي (حوالي 1400 سنة قبل الميلاد تقريبًا)، أي بعد سقوط الإنسان وتغير الطبيعة.
3. الحيات والعقارب والحشرات: فوائدها ودورها الرمزي:
أما بالنسبة للحيات والعقارب والحشرات السامة، فلابد أن لها فوائد، حتى لو لم ندركها كلها. على سبيل المثال:
- **فوائد طبية:** أتذكر أنني منذ حوالي أربعين عامًا قرأت إجابة للقديس جيروم (في مجموعة كتابات آباء نيقية وما بعد نيقية) عن مثل هذا السؤال، ذكر في رده كثيرًا من الفوائد الطبية وغيرها لأمثال هذه الحشرات وللعقارب. يكفي أن الصيدليات حاليًا شعارها حية تنفث سمها في كأس، فبعض السموم لها فوائد إذا أخذت بحكمة وبمقدار، كما قال الشاعر: "وبعض السموم ترياق لبعض، وقد يشفى العضال من العضال". إن كان القديس جيروم، الذي عاش في القرن الرابع وأوائل الخامس، قد ذكر فوائد لتلك الحشرات وبعضها سام، فماذا نقول نحن في أواخر القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين مع كل ما وصل إليه العلم من رقي؟! لا شك أن العلم يكشف فوائد أكثر تحتاج إلى دراسة علمية ونشر.
- **الرمزية الروحية:** هذه الكائنات – من الناحية الأخرى – يرمز ضررها إلى الشر. فالحية صارت اسمًا من أسماء الشيطان (رؤيا 20: 2)، وقصتها معروفة مع أمنا حواء، وكيف خدعتها الحية وأسقطتها (تكوين 3). إن كانت بهذا الدرجة من الضرر، وقد سمح الله بأن تكون هناك عداوة بيننا وبينها دفاعًا عنا منها، فقد أعطانا سلطانًا عليها، وقال: **"ها أنا أعطيكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء"** (لوقا 10: 19).
في الختام، يجب أن نؤكد أنه حينما خلق الله هذه الكائنات لم تكن ضارة. وحتى الشيطان نفسه لم يكن ضارًا ولا شريرًا في الأصل، بل كان ملاكًا، كاروبًا، مملوءًا حكمة وكامل الجمال (حزقيال 28: 12-15). كل التشويه والضرر الذي نراه اليوم في الخليقة هو نتيجة لدخول الخطية إلى العالم وتأثيرها المدمر على كل شيء.