عودة للرئيسية

لماذا قال المسيح "لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس صالح إلا واحد وهو الله"؟

هذه العبارة، التي وردت في إنجيل متى (19: 17)، مرقس (10: 18)، ولوقا (18: 19) في قصة الشاب الغني، كثيرًا ما تُفهم خطأً على أنها نفي للاهوت المسيح أو لصلاحه المطلق. ولكن السياق اللاهوتي الصحيح يكشف معنى أعمق لهذه الكلمات.

1. تحدي لمفهوم الشاب الغني عن الصلاح:

الشاب الغني جاء إلى المسيح سائلًا: "أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟" المسيح لم يكن ينفي صلاحه هو، بل كان يتحدى الشاب ليراجع مفهومه عن "الصلاح". كان الشاب يدعو المسيح "صالحًا" كمعلم بشري، ربما كنوع من المديح أو المجاملة، دون أن يدرك طبيعته الإلهية الحقيقية.

المسيح هنا يرفع مستوى النقاش من مجرد صلاح بشري إلى الصلاح المطلق والكامل، وهو صفة لا تليق إلا بالله وحده. كأنه يقول للشاب: "هل تدرك حقًا معنى كلمة 'صالح' التي نطقت بها؟ هل تعرف أن الصلاح المطلق لا يُنسب إلا لله؟ إذا كنت تعترف بأنني صالح بالمعنى المطلق، فأنت بهذا تعترف ضمنًا بكوني الله."

2. تأكيد على لاهوته بطريقة غير مباشرة:

المسيح لم يقل "أنا لست صالحًا"، بل قال "لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس صالح إلا واحد وهو الله". هذه العبارة هي في الواقع تأكيد للاهوته، وليست نفيًا. فإذا كان "الصالح" الوحيد هو الله، والمسيح هو الصالح، فبالتالي المسيح هو الله.

كان المسيح هنا يدعو الشاب إلى الاعتراف بطبيعته الإلهية الكامنة وراء لقبه كـ "معلم صالح". إنه يضعه أمام خيار: إما أن تعترف بأنني لست صالحًا بالمعنى المطلق (وهو ما لا يمكن قبوله بناءً على أعمال المسيح ومعجزاته وتعاليمه)، أو أن تعترف بأنني صالح بالمعنى المطلق، وبالتالي تعترف بلاهوتي.

3. دعوة للتفكير العميق:

المسيح أراد أن يدفع الشاب للتفكير في هويته الحقيقية. هل يرى المسيح كمجرد معلم بشري ذي فضائل، أم كشخص يمتلك الصلاح الإلهي المتجلي؟ إنها دعوة للتعمق في العلاقة مع الله، وعدم الاكتفاء بالشكليات أو الألقاب السطحية.

العبارة إذن ليست نفيًا لصلاح المسيح أو للاهوته، بل هي طريقة ذكية ومباشرة لدعوة الشاب إلى الاعتراف بكون المسيح هو "الصالح" الوحيد، الذي هو الله نفسه.