عودة للرئيسية

هل سفر نشيد الأناشيد وسفر حزقيال يحتويان على عبارات جنسية؟ وما معناها في المفهوم اللاهوتي المسيحي؟

عند قراءة سفر نشيد الأناشيد وبعض أجزاء من سفر حزقيال، قد تظهر للوهلة الأولى بعض العبارات التي تحمل إيحاءات حسية أو وصفًا جسديًا. ومع ذلك، فإن الفهم اللاهوتي المسيحي لهذه الأسفار لا ينظر إليها على أنها نصوص جنسية حرفية، بل يعتمد على التفسير الرمزي والروحي العميق.

1. سفر نشيد الأناشيد: حب الله والنفس والكنيسة:

سفر نشيد الأناشيد ليس قصيدة حب جسدية بين رجل وامرأة بالمعنى الحرفي، ولا هو نشيد يقال في يوم زفاف بالدرجة الأولى. بل هو سفر روحي له معانٍ عميقة لا يمكن فهمها إلا بطريقة "التفسير الرمزي" في التقليد المسيحي. إنه يعبر عن حالة حب الله (العريس السماوي) والنفس البشرية (العروس أو المؤمن الفرد)، أو بين الله والكنيسة جمعاء (كعروس المسيح).

الأدلة على ذلك كثيرة، منها:

  • غياب الغيرة الجنسية:

    الحب الجنسي البشري يتصف بالغيرة، حيث يحرص كل طرف على أن يكون المحبوب له وحده. وهذا غير موجود في سفر النشيد، بل عكسه هو الموجود. فعذراء النشيد تقول بفرح: "لذلك أحبتك العذارى... بالحق يحبونك. اجذبني وراءك فنجري" (نشيد 1: 3-4). لو كان الأمر حبًا جسديًا، لكانت تغار من حب هؤلاء العذارى له، ولطردتهن عنه.

    كذلك، عندما تقول عن نفسها: "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم" (نشيد 1: 5)، ثم تقول لهن: "أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقل، ألا تيقظن أو تنبهن الحبيب حتى يشاء" (نشيد 2: 7، 3: 5، 8: 4). لو كان الأمر حبًا جسدانيًا، لكانت هذه "السوداء" (التي تمثل الكنيسة من الأمم التي لم تكن تعرف الله أولاً) تغار من "بنات أورشليم" (التي تمثل المؤمنين من اليهود) ولا تدعهن يقتربن من حبيبها. ولكن هذه العبارات تعبر عن مجتمع المؤمنين الذين ينتظرون مجيء الرب لخلاصهم "متى شاء".

  • الأوصاف الرمزية للحبيبة:

    الأوصاف التي تُوصف بها الحبيبة في السفر غير مناسبة للوصف الجسدي الحرفي لامرأة حقيقية، مما يؤكد أنها رمزية. ومنها:

    • "شعرك كقطيع ماعز رابض عند جبل جلعاد" (نشيد 4: 1).
    • "أسنانك كقطيع نعاج صادرة من الغسل" (نشيد 4: 2).
    • "مرهبة كجيش بألوية" (نشيد 6: 4، 10).

    لا توجد امرأة تقبل أن توصف من حبيبها بهذا الوصف الحرفي. لكن هذه الأوصاف تُفسر بطريقة رمزية. فشعرها يمثل جمالها وكثافة مؤمنيها، وأسنانها تشير إلى نقاء تعليمها وقدرتها على هضم الحقائق الإلهية، وكونها "مرهبة كجيش بألوية" يمكن أن يقال عن النفس القوية أو الكنيسة التي تكون في حروبها الروحية قوية ومرهبة للشياطين وكل قواتهم.

إذًا، سفر النشيد في المسيحية هو نشيد روحي عميق يعبر عن العلاقة الحميمة بين المسيح وكنيسته (أو النفس المؤمنة)، حيث يُظهر الحب الإلهي اللانهائي وشوق النفس للاتحاد بخالقها.

2. سفر حزقيال واستخدام الرمزية الحسية:

أما سفر حزقيال، فقد يحتوي على بعض الأوصاف التصويرية القوية والمجازية، بما في ذلك ما قد يبدو حساسًا أو "جنسيًا" عند قراءته حرفيًا (مثل الأصحاحين 16 و 23). ولكن هذه الأوصاف تُستخدم على سبيل المجاز والرمزية لتصوير خطايا شعب إسرائيل وخيانتهم لله. يستخدم النبي صورًا قوية ومقارنات مع الزنا والبغاء لتوضيح مدى بشاعة خيانة إسرائيل لعهدهم مع الله وعبادتهم للأوثان. هذا الأسلوب التصويري كان شائعًا في أدب الشرق الأدنى القديم لتوصيل رسائل قوية حول الخيانة الروحية.

في اللاهوت المسيحي، تُفهم هذه المقاطع ليس كوصف للجنس البشري، بل كاستعارات لاهوتية درامية تهدف إلى:

  • **التعبير عن بشاعة الخطية:** تظهر مدى فظاعة عبادة الأصنام والتحالفات الوثنية في نظر الله، والتي تعادل خيانة الزوجة لزوجها.
  • **الدعوة إلى التوبة:** تسلط الضوء على ضرورة التوبة والعودة إلى الله الواحد الحقيقي.
  • **إظهار عدالة الله:** تبرز عدالة الله في الحكم على هذه الخطايا الفادحة.

بشكل عام، الكتاب المقدس يستخدم أحيانًا لغة تصويرية قوية، بما في ذلك الاستعارات من العلاقات البشرية، للتعبير عن حقائق روحية عميقة. الفهم الصحيح لهذه النصوص يتطلب تفسيرًا روحيًا ورمزيًا يراعي السياق الثقافي واللاهوتي للكتاب.