ما هي علاقة المسيحية بشريعة العهد القديم؟
عندما سُئل السيد المسيح عن الشريعة، لم يقل إنه جاء لينقضها، بل قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى 5: 17). عبارة "لأكمل" هنا تحمل معنيين رئيسيين يوضحان علاقة المسيحية بالعهد القديم:
1. تكميل فهم اليهود للشريعة:
اليهود في زمن المسيح لم يكونوا على فهم سليم لروح الشريعة، بل كانوا يركزون على الحرف الظاهري فقط، مما أدى إلى تحريف معناها الحقيقي:
-
مثال شريعة السبت:
كانوا يفهمونها بطريقة حرفية بحتة، فلا يعمل الإنسان أي عمل في السبت، حتى فعل الخير. لدرجة أنهم عندما قام السيد المسيح بمعجزة كبيرة في يوم سبت، وهي منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له "إن الذي شفاه إنسان خاطئ!" (يوحنا 9: 24)، لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم السبت! وقد جادلوا المسيح في عناد عن "هل يحل الإبراء في السبوت؟ لكي يشتكوا عليه" (متى 12: 10). وما أكثر المجادلات التي دخلوا فيها لحل مشكلة "هل يحل في السبت فعل الخير؟" (لوقا 6: 9، متى 12: 12). المسيح جاء ليكشف أن السبت جُعل لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت، وأن فعل الخير هو جوهر الشريعة.
-
مثال وصية "عين بعين وسن بسن":
هذه الوصية (خروج 21: 24، تثنية 19: 21) كانت للأحكام القضائية لضبط العدل في المجتمع ومنع الانتقام المبالغ فيه، وليست للمعاملات الشخصية بين الأفراد. المسيح لم ينقضها كقانون قضائي، لكنه كشف عن روحها الأعمق في العلاقات الشخصية، داعيًا إلى الصفح والمحبة. الدليل على ذلك نجده في حياة القديسين في العهد القديم أنفسهم، مثل:
- **يوسف الصديق:** لم يعامل إخوته بوصية "عين بعين وسن بسن" ولم ينتقم لنفسه من الشر الذي صنعوه به، بل أكرمهم في مصر، وأسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم (تكوين 50: 17-21).
- **داود النبي:** لم يكافئ شاول شرًا بشر، بل احترمه في حياته، وفي وفاته رثاه بعبارات مؤثرة (2 صموئيل 1: 17-27)، وأحسن إلى كل أهل بيته.
المسيح جاء ليرفع المستوى الروحي للأفراد، داعيًا إلى تجاوز العدالة الحرفية إلى محبة الأعداء والصفح.
2. تكميل طريق السمو والقداسة:
عبارة "يكمل" تعني أيضًا أن المسيح جاء ليرفع طريق السمو والقداسة للبشرية، خاصة مع بداية زوال العبادة الوثنية التي كانت منتشرة طوال العهد القديم. عمل الإيمان في قلوب الناس، بجانب عمل الروح القدس فيهم ومؤازرة النعمة لهم، جعل التقدم في حياة الروح والسلوك بسمو أعلى من ذي قبل ممكنًا. وتكملة الطريق الروحي لم تكن فيها نقد للقديم، بل ارتقاء به.
-
مثال وصية "لا تزن":
قال السيد المسيح: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه" (متى 5: 27-28). هنا الوصية القديمة "لا تزن" لا تزال قائمة ولم تُنقض. لكن أُضيف إليها معنى أعمق، هو عفة القلب والنظر، وليس مجرد عفة الجسد، لأن الخطية تبدأ في الفكر قبل الفعل.
-
مثال وصية "لا تقتل":
قال السيد المسيح: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً، يكون مستوجب الحكم" (متى 5: 21-22). هنا الوصية القديمة "لا تقتل" لا تزال قائمة. ولكن أُضيف إليها منع الغضب الباطل، على اعتبار أن القتل خطوته الأولى هي الغضب، تمامًا كما أن الزنا خطوته الأولى هي شهوة القلب. إذن، السيد المسيح لم ينقض العهد القديم، بل شرح روح الوصية، ومنع الخطوة الأولى إلى الخطية.
بالإضافة إلى الوصايا العشر، يحتوي العهد القديم على وصايا وتعاليم أدبية كثيرة فيها سمو كبير، لكنها خفيت على العديد من معلمي اليهود الذين ركزوا على الحرف. لذلك قال لهم السيد المسيح في مناسبة أخرى: "تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله" (متى 22: 29).
المسيح لم يأتِ ليهدم الأساس الذي وضعه الله في العهد القديم، بل ليكمله ويحقق غايته النهائية، ويرتقي بالوصايا من مجرد سلوك خارجي إلى نقاوة قلبية وفكرية، مما يجعلها قادرة على إعداد الإنسان لحياة القداسة في ملكوت الله.