عودة للرئيسية
لماذا أمر الله في العهد القديم بقتل الأطفال والنساء في حروب إسرائيل مع الأمم؟
هذا السؤال يمثل تحديًا لاهوتيًا وأخلاقيًا للكثيرين، ويتطلب فهمًا عميقًا لسياق العهد القديم، وطبيعة الله، وهدف خطته الخلاصية. الإجابة لا تكمن في تبرير القتل بحد ذاته، بل في فهم المعاني الكامنة وراء هذه الأوامر في وقتها ومكانها:
1. دينونة الله على الخطية المتأصلة:
- **الشر المستشري:** الأمم التي أمر الله بإبادتها (مثل الكنعانيين) لم تكن مجرد شعوب، بل كانت شعوبًا منغمسة في شرور فظيعة وممارسات وثنية بغيضة، مثل عبادة الأصنام، والتضحية بالأطفال (تقديمهم كمحرقات للآلهة)، والفجور الجنسي (مثل البغاء المقدس). هذه الممارسات كانت تمثل رجسًا عظيمًا في نظر الله وتهديدًا لأي شعب يعيش حولهم (تثنية 18: 9-12).
- **عدل الله وحكمه:** الله هو القدوس والعادل، ولا يمكنه أن يتسامح مع الشر إلى ما لا نهاية. هذه الأوامر كانت بمثابة دينونة إلهية على شرور هذه الأمم التي وصلت إلى ملئها، تمامًا كما أرسل الطوفان في زمن نوح أو أهلك سدوم وعمورة. كانت هذه الشعوب قد رفضت كل فرص التوبة والإصلاح.
- **حماية قدسية إسرائيل:** كان الغرض الأساسي من هذه الأوامر هو حماية شعب إسرائيل من العدوى الروحية والأخلاقية. لو أن هؤلاء الأمم بقوا في الأرض، لكانوا قد أغووا بني إسرائيل للانحراف عن عبادة الله الحي والانغماس في ذات الممارسات الشريرة. الله أراد لشعبه أن يكون شعبًا مقدسًا ومنفصلاً عنه ليكون نورًا للأمم (لاويين 18: 24-30).
2. الطبيعة الرمزية و"لغة الحرب" القديمة:
- **صياغة لغوية قديمة:** بعض العلماء يشيرون إلى أن اللغة المستخدمة في وصف هذه الحروب كانت جزءًا من "لغة الحرب" السائدة في الشرق الأدنى القديم، والتي كانت تميل إلى المبالغة في وصف الإبادة الكاملة لتحقيق النصر المطلق. في كثير من الحالات، لا تعني هذه النصوص الإبادة الحرفية لكل فرد، بل الهزيمة الكاملة للعدو وتدمير قوته. هناك أدلة كتابية على أن بعض هذه الشعوب لم تُباد تمامًا (قضاة 1).
- **القضاء الشامل على التأثير الوثني:** الهدف كان القضاء على التهديد الروحي والمعتقدات الوثنية التي كانت تمثل حاجزًا أمام معرفة الله الحقيقي. الأطفال والنساء، رغم براءتهم الظاهرية، كانوا جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي الذي كان ينقل هذه الممارسات الشريرة من جيل إلى جيل. بقاؤهم كان يعني استمرار وجود الوثنية وتأثيرها المدمر.
3. خطة الله الخلاصية الأوسع:
- **إعداد الطريق للمسيح:** هذه الأوامر كانت جزءًا من خطة الله الأوسع لإعداد شعب يكون من خلاله خلاص البشرية، ألا وهو مجيء المسيح. الحفاظ على نقاء هذا الشعب وحمايته من الانغماس في الوثنية كان ضروريًا لضمان استمرارية خط النسب التي سيأتي منها المخلص.
- **رحمة الله وعدله:** يجب ألا ننسى أن الله هو إله الرحمة، ولكنه أيضًا إله العدل. رحمته لا تلغي عدله، وعدله لا يلغي رحمته. في هذه الحالات، تجلى عدل الله في دينونة الشرور الفظيعة، وظهرت رحمته في إعداد طريق للخلاص لكل البشرية من خلال شعب إسرائيل.
4. تمايز العهدين:
- **العهد القديم كفترة تأسيس:** العهد القديم كان فترة تأسيس لشعب الله وإعداد للبشرية لاستقبال المسيح. كانت طبيعة التعامل الإلهي تتناسب مع فهم البشر في ذلك العصر ومع ضرورات الحفاظ على شعب مختار وسط أمم وثنية.
- **العهد الجديد وكمال الوحي:** مع مجيء المسيح، دخلنا في العهد الجديد، حيث أعلن الله محبته الكاملة وتقديم الخلاص للجميع. تعاليم المسيح عن المحبة الشاملة، ومحبة الأعداء، والصفح، هي ذروة إعلان الله عن ذاته وعن مشيئته للبشرية. هذه التعاليم لا تلغي عدل الله في العهد القديم، بل تكشف عن كمال صورته وتعامله مع البشرية في سياق الخلاص. المسيحية اليوم لا تدعو إلى شن حروب إبادة، بل إلى محبة الجميع والكرازة بالإنجيل.
في الختام، هذه الأوامر كانت استجابة إلهية لشرور مستفحلة، وضرورة لحماية شعب الله الذي كان يحمل بذرة الخلاص للبشرية، وتعكس عدالة الله المطلقة في سياق تاريخي محدد. العهد الجديد يكمل الصورة، ويكشف عن محبة الله الفائقة التي تمتد لتشمل الجميع.