عودة للرئيسية

هل المادة صالحة أم شريرة في المسيحية؟

في الإيمان المسيحي، المادة ليست شريرة في جوهرها، بل هي صالحة، لأنها من صنع الله القدير. يعلن المؤمنون المسيحيون في كل مرة يتلون فيها "دستور الإيمان" أن الله خلق "كل ما يُرى وما لا يُرى". وهذا يتوافق مع سفر التكوين الذي يعلن أن "الله رأى جميع ما صنعه فإذا هو حسنٌ جدّاً" (تكوين 1: 31). من هنا، خلق الله الإنسان والكون كله صالحًا، لأنه لا يمكن أن يخلق الله شيئًا غير صالح.

1. الشرّ ليس من طبيعة المادة:

الشرّ دخل إلى الطبيعة بسبب خطيئة الإنسان، الذي خلقه الله حرًا وعاقلًا. عندما اختار الإنسان الابتعاد عن الله وسقط في الخطيئة، دخل الموت والفساد إلى العالم، لكن هذا الفساد لم يغير جوهر المادة من الصلاح إلى الشر. لذلك، رفضت الكنيسة منذ نشأتها اعتبار المادة غير صالحة.

2. رفض البدع التي ترفض المادة:

ظهرت في تاريخ الكنيسة المسيحية بعض البدع التي دعت إلى نبذ المادة باعتبارها شريرة وغير صالحة، لكن الكنيسة قاومت هذه الأفكار بشدة:

  • بدعة المانوية (القرن الثالث الميلادي):

    هذه البدعة كانت تقول بوجود إلهين اثنين: إله للخير (أساس الروح والعالم اللامنظور) وإله للشر (أصل الجسد والعالم المادي). رفضت المسيحية هذه البدعة رفضًا قاطعًا، وأعلنت أن المادة صالحة في جوهرها لعدة أسباب:

    • **لأنها من صنع الله:** كل ما خلقه الله صالح، والمادة جزء من خلقه.
    • **الإنسان مجبول منها:** الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وجُبل من المادة ("آدم" مشتق من جذر له علاقة بالأرض، فـ "أدمة" تعني التراب).
    • **تجسد الله في المادة:** السبب الأهم هو أن الله، خالق المادة والإنسان المجبول منها، عندما أراد أن يتجسد اتخذ هذه المادة (جسدًا بشريًا) ليخلص الإنسان من الخطيئة. هذا يؤكد على قدسية المادة وصلاحها.
  • بدعة الدوكاتية (أو الشبهية):

    هذه البدعة رفضت الاعتقاد بحقيقة تجسد الكلمة (ابن الله) في التاريخ، وقالت بأن المسيح لم يتخذ جسدًا حقيقيًا بل مظهر جسد فقط. وذلك انطلاقًا من اعتقادها بأن عالم الجسد والمادة هو عالم فاسد لا يمكن أن يتخذه ابن الله. قاوم القديس يوحنا الإنجيلي هذا الرأي الفاسد عندما قال في فاتحة إنجيله: "والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا" (يوحنا 1: 14)، مؤكدًا على حقيقة جسد المسيح.

    قاوم العديد من آباء الكنيسة هذا التعليم، فالقديس أغناطيوس الأنطاكي (+ 108م) اعتبر أن إنكار حقيقة بشرية السيد المسيح هو في الوقت نفسه إنكار لحقيقة الفداء، لأنه إن لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهري، فهو لم يتألم إلا ظاهريًا، ونحن لم نحصل على الفداء إلا في الظاهر، وليس في الحقيقة. هكذا، القائلون بهذه البدعة كأنهم يعتبرون أن عملية الفداء ليست سوى مسرحية لبس فيها المسيح قناعًا وهميًا خلعه بعد انتهائه من دوره.

3. أهمية المادة في الأسرار الكنسية وتقديس الإنسان:

تؤمن الكنيسة بأهمية المادة في تقديس الإنسان والعالم، وتظهر هذه الأهمية بوضوح في الأسرار الكنسية المقدسة التي تستخدم فيها مواد ملموسة:

  • **سر الإفخارستيا (القداس الإلهي):** هو امتداد للتجسد، حيث يستخدم المسيح، بناءً على وصيته لتلاميذه، الخبز والخمر ليتحد بالإنسان. هذا يؤكد أن المادة يمكن أن تكون قناة للنعمة الإلهية.
  • **قيامة المسيح وصعوده:** قيامة المسيح من بين الأموات بالجسد، وصعوده إلى السماوات، هو دليل على دخول المادة "المؤلّهة" في عالم الله الأزلي، مما يرفع من قيمة الجسد والمادة.
  • **وعد القيامة العامة:** تؤمن الكنيسة بقيامة الأجساد في اليوم الأخير، مما يعني أن المادة ستشترك في الحياة الأبدية، وهذا يؤكد على أهمية الجسد وخلوده.
  • **فاعلية الأسرار بالمشاركة:** تعتقد الكنيسة أن ثمّة تناغمًا بين تقديس الإنسان للمادة وتقديس المادة للإنسان. ففي الأسرار (المعمودية، الميرون، الإفخارستيا، مسحة الزيت)، تبقى المواد (كالماء، الزيت، الخبز، الخمر) بلا فاعلية إذا لم يشارك المؤمن بقلبه وإيمانه، بقول "آمين" (فليكن). الجماعة المصلية المجتمعة بدعوة من الله هي التي تقدس هذه المواد حتى تتقدس بها. الإنسان هو الأساس في عملية التقديس.

4. الإنسان ككل مدعو للخلاص:

الكنيسة لا تقيم فرقًا بين الروح والجسد، فالإنسان كائن واحد غير مزدوج. فالجسد هو الذي ينال كل الأسرار (المعمودية، الميرون، الإفخارستيا، المسحة). الجسد هو الذي يسجد ويصوم ويصلي. حواس الإنسان كلها تشارك في العبادة: الأذن تطرب للتراتيل، العين ترى جمال الله في مخلوقاته والأيقونات، الأنف يتنسّم عبير البخور، اليد ترسم إشارة الصليب وتشعل شمعة. هذا الجسد المادي هو الوسيلة التي بها يعبر الإنسان عن خضوعه لله بالعبادة والتسبيح. لذلك، هذا الجسد المسبّح لله في هذه الحياة الفانية سيشارك في التسبيح الأزلي في ملكوت الله الذي لا يفنى.

يقول القديس الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس:

"أما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم الذي نلتموه من الله وأنكم لستم لأنفسكم. لأنكم قد اشتُريتم بثمن كريم. فمجّدوا الله واحملوه في أجسادكم" (1 كورنثوس 6: 19-20).

من وعى أنه هيكل للروح القدس وعاش بتوبة دائمة وحمل الله وأعطاه إلى الناس من خلال سلوكه ومحبته وتواضعه، لن يهجره الروح القدس وسيبقى ساكنًا فيه إلى الأبد.