سفر صموئيل الأول

I. مقدمة عن سفر صموئيل الأول

يُعد سفر صموئيل الأول الكتاب التاسع في الكتاب المقدس العبري، ويأتي بعد سفر راعوث. في الأصل العبري، كان سفرا صموئيل الأول والثاني كتابًا واحدًا، لكنهما قُسما في الترجمة السبعينية لأسباب عملية. يروي هذا السفر قصة بني إسرائيل في فترة انتقالية حاسمة، من عصر القضاة إلى عصر الملوك، ويُسلط الضوء على تأسيس المملكة في إسرائيل.

يُسمى السفر باسم صموئيل النبي، الذي يحتل دورًا رئيسيًا في الجزء الأول منه، حيث كان آخر القضاة وأول من مسح ملوكًا لإسرائيل (شاول وداود). يغطي السفر أحداثًا مهمة تشمل ولادة صموئيل ودعوته، وفترة حكمه كقاضٍ، وطلب الشعب لملك، وتعيين شاول كأول ملك لإسرائيل، ثم صعود داود وصراعه مع شاول، وينتهي بوفاة شاول.

II. الأحداث الرئيسية في سفر صموئيل الأول

يروي سفر صموئيل الأول قصة انتقال بني إسرائيل من حكم القضاة إلى حكم الملوك، من خلال شخصيات صموئيل وشاول وداود.

أ. ولادة صموئيل ودعوته وخدمته (1 صم 1-7)

  • ولادة صموئيل:

    كان هناك رجل اسمه ألقانة، له زوجتان: حنة وفننة. كانت حنة عاقرًا، وكانت فننة تضايقها. صلت حنة إلى الرب بمرارة، ونذرت أنها إذا أُعطيت ابنًا، فستُقدمه للرب كل أيام حياته. استجاب الرب لصلاتها، وولدت ابنًا سمته صموئيل، ومعناه "من الرب سألته". عندما فطمت صموئيل، أخذته إلى هيكل الرب في شيلوه وقدمته لعالي الكاهن ليعيش ويخدم هناك.

  • دعوة صموئيل وفساد أبناء عالي:

    كان صموئيل يخدم الرب أمام عالي الكاهن. في تلك الأيام، كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن هناك رؤى كثيرة. دعا الرب صموئيل ليلاً، وظن صموئيل أن عالي يناديه، فذهب إليه ثلاث مرات. في المرة الثالثة، أدرك عالي أن الرب هو الذي يدعو صموئيل، فأمره أن يجيب: "تكلم يا رب فإن عبدك سامع".

    كشف الرب لصموئيل عن دينونته على بيت عالي الكاهن بسبب شر أبنائه حفني وفينحاس، الذين كانوا يسيئون إلى خدمة الرب ويستهينون بالذبائح. أبلغ صموئيل عالي بالرسالة، فقبل عالي الدينونة. كبر صموئيل، وكان الرب معه، وعرفه جميع إسرائيل من دان إلى بئر سبع أنه نبي للرب.

  • فقدان تابوت العهد وموت عالي:

    حارب الفلسطينيون إسرائيل، وهُزم بنو إسرائيل في أفيق. فأخذوا تابوت عهد الرب معهم إلى المعركة، ظنًا منهم أنه سيحميهم. لكن الفلسطينيين انتصروا، وأخذوا تابوت العهد، وقتلوا حفني وفينحاس ابني عالي.

    عندما وصلت الأخبار إلى عالي الكاهن، سقط من على كرسيه ومات، لأنه كان شيخًا وثقيلاً، وقد عاش 40 سنة كقاضٍ.

  • صموئيل يقضي لإسرائيل:

    بعد استيلاء الفلسطينيين على تابوت العهد، أصابتهم ضربات وبواسير في مدنهم، مما جعلهم يقررون إعادة التابوت إلى إسرائيل. أرسل الفلسطينيون التابوت على عجلة تجرها بقرتان مرضعتان لم يعلهما نير، ووصل التابوت إلى بيت شمس.

    قاد صموئيل الشعب إلى التوبة، وجمعهم في المصفاة، حيث صاموا واعترفوا بخطاياهم. عندما صعد الفلسطينيون لمحاربتهم، أرعد الرب عليهم بصوت عظيم، وهزمهم بنو إسرائيل. أقام صموئيل حجرًا ودعاه "حجر المعونة" (أبن عازر) تذكارًا لنصر الرب.

ب. طلب الشعب لملك وتعيين شاول (1 صم 8-12)

  • طلب الشعب لملك:

    لما شاخ صموئيل، جعل ابنيه يوئيل وأبيا قاضيين لإسرائيل، لكنهما لم يسلكا في طريقه، بل مالا وراء المكسب وأخذا رشوة وعوجا القضاء. فاجتمع شيوخ إسرائيل وطلبوا من صموئيل أن يُقيم لهم ملكًا ليقضي لهم كسائر الأمم.

    حزن صموئيل من هذا الطلب، لكن الرب قال له: "لم يرفضوك أنت، بل إياي رفضوا لكي لا أملك عليهم". وأمر الرب صموئيل أن يسمع لصوتهم، لكن أن يشهد عليهم ويخبرهم بقضاء الملك الذي سيملك عليهم.

  • تعيين شاول ملكًا:

    أرسل الرب شاول بن قيس، وهو شاب من سبط بنيامين، إلى صموئيل. كان شاول يبحث عن أتن أبيه الضائعة. أخبر الرب صموئيل أنه في الغد سيُرسل إليه رجلاً يمسحه رئيسًا على شعبه إسرائيل.

    مسح صموئيل شاول سرًا بالزيت، وأخبره أنه سيكون ملكًا. ثم جمع صموئيل الشعب في المصفاة، واختار شاول بالقرعة أمام الجميع. اختبأ شاول بين الأمتعة، لكنهم وجدوه وأعلنوه ملكًا، وهتف الشعب: "ليحي الملك!"

  • نصرة شاول على العمونيين وتثبيت ملكه:

    بعد فترة وجيزة من تملك شاول، حاصر نحاش العموني مدينة يابيش جلعاد وهدد بقلع أعين سكانها. عندما سمع شاول بذلك، حل عليه روح الرب، وجمع جيشًا كبيرًا من إسرائيل، وهزم العمونيين هزيمة ساحقة. بعد هذا النصر، ذهب الشعب إلى الجلجال، وجددوا ملك شاول هناك.

ج. رفض الرب لشاول وصعود داود (1 صم 13-17)

  • عصيان شاول الأول ورفضه:

    أمر صموئيل شاول أن ينتظره سبعة أيام في الجلجال ليصعد ذبائح للرب. لكن شاول، عندما رأى الشعب يتفرق عنه، قدم المحرقة بنفسه قبل وصول صموئيل. عندما وصل صموئيل، وبخ شاول وقال له: "قد عملت حمقًا... الآن لا تثبت مملكتك. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه".

  • عصيان شاول الثاني ورفضه النهائي:

    أمر الرب شاول أن يذهب ويضرب عماليق ويحرم كل ما لهم، ولا يستبقي شيئًا. لكن شاول استبقى أغنامًا وبقرًا جيدة ليذبحها للرب، واستبقى أجاج ملك عماليق حيًا. عندما واجهه صموئيل، قال له: "هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة... لأن تمرد هو كخطية العرافة، والعناد كعبادة الأوثان. لأنك رفضت كلام الرب، رفضك هو أيضًا من الملك".

  • مسح داود ملكًا:

    أرسل الرب صموئيل إلى بيت لحم إلى بيت يسى ليمسح ملكًا من بين أبنائه. عندما رأى صموئيل أبناء يسى، ظن أن أليآب هو المختار، لكن الرب قال له: "لا تنظر إلى منظره ولا إلى طول قامته... لأن الرب لا ينظر كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب".

    أخيرًا، أتى يسى بداود، وكان صغيرًا وجميل العينين وحسن المنظر. مسح صموئيل داود بالزيت، وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا.

  • داود في بلاط شاول:

    بعد أن فارق روح الرب شاول، كان روح شرير من قبل الرب يزعجه. نصح خدام شاول بإحضار رجل يعرف العزف على القيثارة ليهدئ شاول. فأخبرهم أحدهم عن داود، فاستدعاه شاول. كان داود يعزف لشاول، فكان شاول يستريح ويذهب عنه الروح الشرير.

  • داود وجليات:

    تحدى جليات الجبار الفلسطيني جيش إسرائيل لمدة أربعين يومًا، ولم يجرؤ أحد على مواجهته. جاء داود ليزور إخوته في المعسكر، وسمع تحدي جليات. تقدم داود لمواجهة جليات، رافضًا درع شاول، وأخذ خمسة حجارة ملساء ومقلاعه. ضرب داود جليات بحجر في جبهته، فسقط جليات، ثم أخذ داود سيف جليات وقطع رأسه. بهذا النصر، هزم بنو إسرائيل الفلسطينيين.

د. صراع شاول وداود (1 صم 18-30)

  • غيرة شاول من داود:

    بعد انتصار داود على جليات، أحبه الشعب، وغار شاول منه. حاول شاول قتل داود عدة مرات بالرمح، لكن داود نجا.

  • هروب داود ومطاردة شاول له:

    هرب داود من وجه شاول، وأصبح مطاردًا في البرية. ساعده يوناثان ابن شاول، الذي كان صديقًا مقربًا لداود، وحذره من خطط أبيه.

    تنقل داود بين عدة أماكن للاختباء، مثل نوب (حيث أخذ خبز الوجوه من أخيمالك الكاهن)، وجت (حيث تظاهر بالجنون)، وكهوف عدلام وعين جدي، وبرية زيف.

  • داود يشفق على شاول:

    في إحدى المرات، دخل شاول إلى كهف في عين جدي ليقضي حاجته، وكان داود ورجاله مختبئين في مغابن الكهف. نصح رجال داود بقتل شاول، لكن داود رفض أن يمد يده إلى "مسيح الرب"، وقطع طرف رداء شاول فقط.

    في مرة أخرى، دخل داود إلى معسكر شاول ليلاً، وأخذ رمح شاول وكوز الماء من عند رأسه، ولم يقتله. في كلتا المرتين، أظهر داود احترامه لشاول كملك مسحه الرب، ورفض أن يؤذيه.

  • وفاة صموئيل:

    توفي صموئيل النبي، واجتمع جميع إسرائيل وندبوه ودفنوه في بيته في الرامة.

  • داود في أرض الفلسطينيين:

    بعد وفاة صموئيل، ذهب داود إلى أرض الفلسطينيين، وعاش في صقلغ تحت حماية أخيش ملك جت.

هـ. نهاية شاول (1 صم 31)

  • معركة جلبوع:

    حارب الفلسطينيون إسرائيل في جبل جلبوع. هُزم رجال إسرائيل، وسقط كثيرون قتلى.

  • موت أبناء شاول:

    شد الفلسطينيون وراء شاول وبنيه، وقتلوا يوناثان وأبيناداب وملكيشوع أبناء شاول.

  • موت شاول:

    عندما اشتدت المعركة على شاول، طلب من حامل سلاحه أن يقتله، لكنه رفض. فسقط شاول على سيفه ومات. عندما رأى حامل سلاحه أن شاول قد مات، سقط هو أيضًا على سيفه ومات معه.

    في اليوم التالي، وجد الفلسطينيون جثة شاول وأبنائه، وقطعوا رأس شاول وعلقوا جسده على سور بيت شان.

III. الخاتمة

يسجل سفر صموئيل الأول نهاية عصر القضاة وبداية عصر الملوك في إسرائيل. إنه يصف حياة صموئيل النبي كآخر القضاة، ثم صعود شاول كأول ملك، وكيف أدت عصيانه إلى رفض الرب له. كما يروي السفر بداية صعود داود، الذي اختاره الرب ليكون الملك القادم، وصراعه مع شاول، ممهدًا للأحداث في سفر صموئيل الثاني.