سفر الملوك الأول
I. مقدمة عن سفر الملوك الأول
يُعد سفر الملوك الأول الكتاب الحادي عشر في الكتاب المقدس العبري، ويأتي بعد سفري صموئيل. في الأصل العبري، كان سفرا الملوك الأول والثاني كتابًا واحدًا، لكنهما قُسما في الترجمة السبعينية لأسباب عملية. يروي هذا السفر تاريخ مملكة إسرائيل ويهوذا من نهاية حكم داود الملك، مرورًا بملك سليمان الموحد، ثم انقسام المملكة إلى مملكتين (الشمالية والجنوبية)، ويغطي فترة تبلغ حوالي 115 أو 125 عامًا.
يُعتقد تقليديًا أن إرميا النبي هو كاتب هذا السفر، وقد يكون قد اعتمد على سجلات أنبياء مثل ناثان وجاد.
II. الأحداث الرئيسية في سفر الملوك الأول
يروي سفر الملوك الأول قصة انتقال الحكم من داود إلى سليمان، ثم بناء الهيكل، وازدهار المملكة، ثم انقسامها، وبداية تاريخ المملكتين المنفصلتين.
أ. خلافة سليمان ووفاة داود (1 مل 1-2)
- شيخوخة داود ومؤامرة أدونيا:
شاخت أيام الملك داود، وتقدم في السن. حاول أدونيا، ابن داود من حجيث، أن يملك مكان أبيه، فأعد لنفسه مركبات وفرسانًا وخمسين رجلاً يجرون أمامه. ودعا أدونيا يوآب رئيس الجيش وأبياثار الكاهن وجميع إخوته أبناء الملك (ما عدا سليمان) ليذبحوا ذبائح ويحتفلوا بتمليكه.
- تدخل ناثان وبثشبع:
علم ناثان النبي وبثشبع (أم سليمان) بمؤامرة أدونيا. فدخلت بثشبع إلى الملك داود وذكرته بوعده وقسمه لها بأن سليمان ابنها سيملك بعده. ثم دخل ناثان النبي وأكد لداود أن أدونيا قد أعلن نفسه ملكًا.
- تتويج سليمان:
أمر داود الملك صادوق الكاهن وناثان النبي وبنايا بن يهوياداع أن يأخذوا سليمان ابنه، ويركبوه على بغلة الملك، وينزلوا به إلى جيحون، ويمسحوه هناك ملكًا على إسرائيل. ففعلوا ذلك، وضربوا بالبوق وهتف الشعب: "ليحي الملك سليمان!" ارتعد جميع مدعوي أدونيا وهربوا، وخاف أدونيا وتمسك بقرون المذبح، لكن سليمان عفا عنه وأرسله إلى بيته.
- وصايا داود الأخيرة ووفاته:
أوصى داود سليمان ابنه بوصايا أخيرة، منها أن يسلك في طرق الرب ويحفظ فرائضه ووصاياه. كما أوصاه بالتعامل مع بعض الأشخاص مثل يوآب وشمعي بن جيرا. ثم توفي داود ودُفن مع آبائه.
ب. حكم سليمان وبناء الهيكل (1 مل 3-10)
- حكمة سليمان:
بعد أن أصبح سليمان ملكًا، ظهر له الرب في حلم في جبعون، وطلب منه أن يسأل ما يشاء. طلب سليمان قلبًا فهيمًا ليحكم شعبه بالعدل، فسر الرب بطلبه وأعطاه حكمة وفهمًا عظيمين، بالإضافة إلى غنى ومجد لم يكن لأحد من الملوك قبله. اشتهرت حكمة سليمان في جميع الأمم، ومن أشهر أمثلة حكمته قصته مع المرأتين اللتين تنازعتا على الطفل الحي.
- بناء هيكل الرب:
بدأ سليمان في بناء هيكل الرب في السنة الرابعة من ملكه، واستغرق البناء سبع سنوات. كان الهيكل مبنى عظيمًا، أبعاده ضعف أبعاد خيمة الاجتماع، وطوله 60 ذراعًا، وعرضه 20 ذراعًا، وارتفاعه 30 ذراعًا. استخدم سليمان مواد ثمينة في البناء، مثل حجارة منحوتة، وخشب الأرز والسرو، وغطى الهيكل من الداخل بالذهب الخالص.
- تدشين الهيكل:
بعد الانتهاء من بناء الهيكل، جمع سليمان جميع شيوخ إسرائيل ورؤساء الأسباط لتدشين الهيكل. تم إحضار تابوت عهد الرب إلى قدس الأقداس في الهيكل. امتلأ الهيكل بسحاب مجد الرب، ولم يستطع الكهنة الوقوف للخدمة. صلى سليمان صلاة تدشين عظيمة، وبارك الشعب، وقدم ذبائح كثيرة.
- ازدهار مملكة سليمان:
ازدهرت مملكة سليمان بشكل كبير، فكان له غنى ومجد عظيمان، وتجارة واسعة، وعلاقات مع ملوك الأرض. كانت ملكة سبأ من بين الذين جاءوا ليروا حكمة سليمان وعظمته.
ج. انقسام المملكة (1 مل 11-12)
- انحراف سليمان:
على الرغم من حكمته ومجده، مال قلب سليمان عن الرب في شيخوخته بسبب نسائه الغريبات اللواتي كن من الأمم الوثنية. تزوج سليمان من نساء كثيرات، وأقام لهن مذابح لآلهتهن، فغضب الرب عليه.
- نبوءة انقسام المملكة:
بسبب عصيان سليمان، أخبره الرب أنه سيمزق المملكة عنه، لكنه لن يفعل ذلك في أيامه من أجل داود أبيه، بل سيمزقها من يد ابنه. ووعد الرب بأنه سيعطي سليمان سبطًا واحدًا (يهوذا) من أجل داود ومن أجل أورشليم.
- تمرد يربعام:
كان يربعام بن ناباط، وهو خادم لسليمان، رجلاً قويًا. أخبره أخيا الشيلوني النبي أن الرب سيمزق عشرة أسباط من مملكة سليمان ويعطيها ليربعام. حاول سليمان قتل يربعام، لكن يربعام هرب إلى مصر.
- رحبعام وانقسام المملكة:
بعد وفاة سليمان، ملك رحبعام ابنه مكانه. جاء الشعب إلى رحبعام وطلبوا منه أن يخفف عنهم النير الثقيل الذي وضعه عليهم سليمان. لكن رحبعام استشار الشبان، ورد على الشعب بقسوة، قائلاً: "أبي أدبكم بالسياط، وأنا أؤدبكم بالعقارب".
نتيجة لذلك، تمردت الأسباط العشرة على رحبعام، وتبعوا يربعام، وأقاموه ملكًا عليهم. وهكذا انقسمت المملكة إلى مملكتين: مملكة يهوذا في الجنوب (سبطي يهوذا وبنيامين) تحت حكم رحبعام، ومملكة إسرائيل في الشمال (العشرة أسباط الأخرى) تحت حكم يربعام.
د. ملوك المملكتين وإيليا النبي (1 مل 13-22)
- خطية يربعام:
خاف يربعام أن يعود الشعب إلى رحبعام إذا صعدوا إلى أورشليم للعبادة، فصنع عجلين من ذهب في بيت إيل ودان، وقال للشعب: "هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر". كما بنى بيوتًا للمرتفعات، وجعل كهنة من أطراف الشعب لم يكونوا من بني لاوي.
- ملوك يهوذا وإسرائيل:
يستعرض السفر بعد ذلك تاريخ الملوك المتعاقبين في كلتا المملكتين، مع التركيز على أعمالهم (هل كانوا صالحين أم أشرارًا في عيني الرب). من ملوك يهوذا: رحبعام، أبيام، آسا، يهوشافاط. ومن ملوك إسرائيل: يربعام، ناداب، بعشا، أيلة، زمري، عمري، أخاب.
- إيليا النبي:
في زمن أخاب ملك إسرائيل، الذي كان شريرًا جدًا، ظهر إيليا النبي فجأة. أعلن إيليا لأخاب أنه لن يكون طل ولا مطر في السنين القادمة إلا بكلمته.
من أشهر قصص إيليا:
- إطعامه عند نهر كريث وعند الأرملة في صرفة: حيث أطعمه الغربان، ثم أقام مع أرملة في صرفة، ولم يفرغ كوار الدقيق ولا قسط الزيت.
- مواجهته لأنبياء البعل في جبل الكرمل: حيث تحدى إيليا 450 نبيًا للبعل و 400 نبيًا للسواري، وأثبت أن الرب هو الإله الحقيقي بنزول نار من السماء أكلت المحرقة والماء والحجارة.
- هروبه من إيزابل: بعد انتصاره، هرب إيليا من إيزابل التي هددت بقتله، وذهب إلى جبل حوريب (سيناء)، حيث التقى الرب.
III. الخاتمة
يسجل سفر الملوك الأول فترة حاسمة في تاريخ بني إسرائيل، بدءًا من تأسيس مملكة سليمان الموحدة وعصرها الذهبي، مرورًا بانحراف سليمان الذي أدى إلى انقسام المملكة. ثم يصف السفر بداية تاريخ المملكتين المنفصلتين (يهوذا وإسرائيل)، مع إبراز الصراعات السياسية والدينية، وظهور الأنبياء مثل إيليا الذين حاولوا دعوة الشعب للعودة إلى الرب.